الرئيسية / الرئيسية / جوستن ترودو .. فاز الليبراليون في كندا

جوستن ترودو .. فاز الليبراليون في كندا

فاز الحزب الليبرالي الكندي، يوم 20 أكتوبر/تشرين أول الجاري، في الانتخابات التشريعية، وأزيح رئيس الوزراء المحافظ، ستيفن هاربر، (56 عاماً) عن حكم استمر 9 سنوات، وسيشكل جاستن ترودو (43 عاماً) الحكومة المقبلة، إثر استعادة الليبراليين السلطة في كندا التي حكموها في القسم الأكبر من القرن العشرين. وكان الكنديون قد مارسوا حقهم الانتخابي في 65 ألف مركز تصويت، وصوّت حوالى 26,4 مليون ناخب لـ 338 نائباً. وكانت الحملة الانتخابية غاية في الأمانة والثقة والتنظيم والشفافية، وتقدم المتنافسين الحزبان الليبرالي والمحافظون، وفاز الليبراليون، وصعد زعيم حزبهم جاستن ترودو (مواليد 1971) إلى الحكم، وهو نجل بيير ترودو، رئيس وزراء كندا قبل سنوات، والذي كانت له مواقف متقدمة في حقوق الإنسان، ولترودو الابن برنامجه الإنساني، ويحمل أفكاراً جديدة، وعد بها الكنديين، أنها ستأخذهم نحو مستقبل جديد، خلافاً للسياسة التي اتبعها سلفه ستيفن هاربر. وسنراقب كيف ستكون سياسة الليبراليين إزاء إسرائيل والقضايا العربية.
كان والده بيير إيفز اليوت ترودو (1919 – 2000)، رئيس وزراء كندا الخامس عشر في بين 1968 و1979، وبين 1980 و1984. وكان يؤمن بأفكار اشتراكية، لكنه انتهى ليبرالياً بعضويته في الحزب الليبرالي الكندي إبان الستينيات. وتقلد مناصب وزارية ليصبح زعيماً ملهماً يتمتع بكاريزما سحرية، مشكلا ظاهرة سياسية عرفت باسم “الترودومينيا” قبل أربعين عاماً، متبنياً مبدأ “العقل قبل العاطفة”، واعتزل السياسة في 1984، بعد أن عمل على الحفاظ على الوحدة الوطنية، إزاء سياسات الانفصاليين في إقليم كيبيك، وتأسيس ميثاق الحقوق والحريات، من خلال الدستور الكندي. واتهمه بعضهم بالتحيز للحكومة الفيدرالية، وكان قد انفصل عن زوجته مارغريت بسبب انشغاله عنها في دوامة الحكم والسياسة، (كان الفرق بينهما 30 عاماً)، علماً أنهما تزوجا عن حب جارف.
فاز ولدهما البكر، جاستن ترودو، في الانتخابات العامة، ويتزعم الحزب الليبرالي الكندي منذ انتخابه لهذا الموقع في أبريل/نيسان 2013. وكان قد انتخب عضواً في مجلس النواب عام 2008، وأعيد انتخابه عام 2011. وشغل مناصب في حكومة ظل حزبه، مدافعاً عن هموم الشباب والتعددية الثقافية والمواطنة والهجرة، واهتمامه بمرحلة ما بعد التعليم الثانوي. وكان في السادسة من عمره عندما انفصل والده عن والدته مارغريت، ابنة جيمس سنكلير، وزير الثروة السمكية في حكومة لويس سانت لوران. حصل على البكالوريوس في الآداب، ثم بكالوريوس في التربية في جامعة بريطانية. وعمل مدرساً للفرنسية والرياضيات في أكاديمية ويست بوينت وفي مدرسة السير ونستون تشرشل الثانوية في مدينة فانكوفر. ودرس بين 2002 – 2004، الهندسة في جامعة مونتريال. وحصل على الماجستير في الجغرافيا البيئية في جامعة ماكغيل قبل خوضه الحياة السياسية العامة. وفي 2007، تألق جاستن ترودو، في فن التمثيل لجزئي مسلسل سي بي سي المسمى “الحرب العظمى”، والتي سلطت الضوء على مشاركة كندا في الحرب العالمية الأولى. وتقمص دور تالبوت ميرسر بابينو الذي قتل في أكتوبر/تشرين أول 1917، في معركة باشنديل.
كان جوستن قد تأثر بوفاة شقيقه ميشال في انهيار جليدي خلال تزلج عام 1998، فأطلق حملة للسلامة العامة في مزاولة للرياضات الشتوية عام 2000. ترأس بعد ذلك برنامجاً للشباب، ثم أصبح عضواً في فريق برنامج “كندا تقرأ”، مشجعاً رواية “مستعمرة الأحلام غير المتبادلة”. ثم افتتح، رفقة شقيقه ألكسندر مركز ترودو لدراسات السلام والنزاعات في جامعة تورنتو عام 2004؛ والذي غدا جزءاً من مدرسة مونك للشؤون العالمية. وخاض ترودو الابن عام 2005، معركة ضد مقترح منجم للزنك بقيمة $100 مليون، بدعوى أن المنجم سيسمم نهراً في الأقاليم الشمالية الغربية من كندا حفاظاً على البيئة، وكان هذا النهر يعد موقع تراث عالمي في تصنيف الأمم المتحدة، وتقدم مسيرة دعت للمشاركة الكندية في حل أزمة دارفور.
لمع اسم ترودو في مؤتمر القيادات السياسية عام 2006، وكان ذلك بداية حقيقية لدخوله المعترك السياسي، علماً أنه كان يدعم الحزب الليبرالي، منذ سن مبكرة، وقدم دعمه لزعيم الحزب جون تيرنر في الانتخابات الفيدرالية عام 1988. وبعد عامين، دافع عن الفيدرالية الكندية. وبعد وفاة والده، أصبح جاستن أكثر انخراطاً في الحزب الليبرالي. مستضيفاً في حفل تكريم رئيس الوزراء السابق، جان كريتيان، في مؤتمر قيادة الحزب عام 2003. ثم عين لاحقاً لرئاسة فرقة عمل معنية بتجديد متطلبات الشباب بعد هزيمة الحزب في الانتخابات الفدرالية عام 2006.
وفي أكتوبر/تشرين أول 2006، انتقد جاستن ترودو قومية كيبك، ووصف الفكر القومي أنه “قديم يعود إلى القرن التاسع عشر، ومبني على أفكار صغرى”، لا علاقة لها بحداثة إقليم كيبك، فلم يدعم الاعتراف بإقليم كيبك أمة قومية منفصلة، وبعد أن تأهل مرشحاً لزعامة الحزب الليبرالي، فاز ضد منافسيه في أبريل/نيسان 2007، بسهولة. وانتخب عضواً في البرلمان الاتحادي في انتخابات 2008، والتي فاز فيها حزب المحافظين بحكومة أقلية، ودخل ترودو البرلمان عضواً من المعارضة الرسمية. وقدم مقترحاً دعا فيه إلى “سياسة الخدمة التطوعية الوطنية للشباب”. وفاز الاقتراح بدعم من البرلمانيين من جميع الأحزاب. وترأس في أبريل/نيسان 2009 المؤتمر الوطني للحزب الليبرالي في فانكوفر، ثم أوكلت إليه عام 2010 مهمة تعدد الثقافات والشباب والمواطنة والهجرة. وله جهوده في زيادة جهود الإغاثة الكندية بعد زلزال هايتي عام 2010، وسعى إلى إجراءات هجرة أكثر سهولة من هايتي إلى كندا في أوقات الأزمات. وأصبح جاستن كـ “نجم الروك” للحزب، ومنذ إعادة انتخابه تجول عبر البلد لجمع التبرعات للجمعيات الخيرية والحزب الليبرالي. وفي مارس/آذار 2012، شارك في مباراة ملاكمة خيرية باسم “قاتلوا من أجل العلاج” ضد عضو مجلس الشيوخ من حزب المحافظين، باتريك برازو، وفاز في الجولة الثالثة من المباراة، واعتبرت النتيجة مفاجأة.
وكان الزعيم الجديد قد أطلق شريط فيديو على الإنترنت عام 2014 بعنوان “الاقتصاد الذي يعود بالفائدة علينا جميعاً”، روى فيه برنامجه الاقتصادي. وقال، إن نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي في كندا انخفضت في السنوات الأخيرة، وحان الوقت أن “تصعد” نحو الذرى. تزوج صوفي غريغوار التي كان يعرفها منذ طفولته عام 2005. وفي 2013، إثر ارتقائه إلى رئاسة الحزب الليبرالي، باعا منزلهما في مونتريال، واستأجرا منزلاً في أوتاوا، ويقيمان فيه مع أولادهما الثلاثة. ويقضي برنامجه بفرض ضرائب على الأكثر ثراء لخفض ضرائب الكتلة الكبرى من الكنديين، والقيام بأشغال بنى تحتية ستؤدي إلى عجز ميزاني لثلاث سنوات، كما أنه سيدعم الحريات الشخصية والتعددية، ويحل مشكلات المهاجرين واللاجئين. تحدث، بعد انتصاره، قائلاً إنه سأل مهاجرة مسلمة محجبة، وكانت رفقتها ابنتها الصغيرة في مركز انتخابي: من تنتخبين؟ أجابته: سأنتخبك، لأضمن الحقوق الشخصية لابنتي في المستقبل.
هل تكون التجربة الكندية درساً لآخرين من ذوي التجارب البائسة في الديمقراطية والانتخابات؟ وهل سينجح هذا الرجل الجديد في احياء ظاهرة “الترودومينيا” التي رسمها والده في فلسفة الحكم ، مع تغير الزمن ؟

نشرت في العربي الجديد ، لندن في 28 أكتوبر / تشرين الاول 2015 ، ويعاد نشرها على موقع الدكتور سيار الجميل
www.sayyaraljamil.com

شاهد أيضاً

منظومة بشعة تأكل العراق

ليس ثمّة ما يماثل ثقافة الفساد التي تعمّ العراق في أي مكان من هذا الوجود …