الرئيسية / الرئيسية / انحدار الاخلاق وتفسّخ السلوكيات في المجتمع العراقي الحلقة الثانية

انحدار الاخلاق وتفسّخ السلوكيات في المجتمع العراقي الحلقة الثانية

 
ماذا نحكي اليوم عن مجتمع عراقي أفرزته الأيام الصعبة وعانى طويلا ، وإن كان قد عاش قبل أجيال ليبدع ويكون صاحب أخلاق حميدة وتقاليد نبيلة ، ولكن يبدو انه اليوم تربّى تربية سيئة ليس في المدارس فحسب، بل حتّى في بيوته نسوة ورجالا، ومن شبّ على شيء شاب عليه، فالأمر لا يتعلق بجاهل او عاقل، ولا بمثقّف او شخص عادي او واحد من الرعاع، فكثيرا ما اجد اليوم من يحمل شهادات عليا، وهو من اسوأ الناس واوسخهم، ومن سيئاته انه ينفخ نفسه ويستعرض عضلاته بأنويته ونرجسيته ، ولا يحكي إلا عن نفسه ويتفاخر ببطولاته وامجاده الكاذبة، او تراه لئيما خداعا يظهر عكس ما يبطن، فتبقى معه زمنا، وفجأة يلدغك من حيث لا تدري .. او تجده يبرّر سوء اخلاقه بمسوغّات بدائية ، وهو يستخدم لغة باطنية ، او يسكت على سوء الاخلاق باسم مداراة الواقع .
وقد كثرت النسوة الشريرات ايضا، وتعلمّن اوسخ الكلمات والتعابير، يظهرن كالمسترجلات يتاجرن بالوطنيّة او بالدين او بالمذهب ، وهن مشبّعات بأسوأ الاوبئة والادران وسوء الاخلاق .. ومنهن مبرقعات ومحجبّات وفوق الحجابات عباءات سود ، رأيت قبل شهرين ، احداهن لابسة ثوبا اسود وسخا في مطار فرانكفورت، وهي نائبة شهيرة ومثيرة للشغب في البرلمان العراقي، وكانت تمشي برفقة صبيّة محجبة ايضا، تذكرت كيف تقلّبت هذه ( النائبة ) من حزب الى آخر بعد ان ادخلها احدهم الى ميدان السياسة في العراق الجديد بثمن بخس ! ولا احد يدري ما الذي تفعله في المانيا ؟
ولكن بالرغم من كلّ هذا وتلك، لم يزل في مجتمعنا قلّة من الاوفياء، وندرة من العقلاء ، وحفنة من الامناء سواء في الدواخل الكئيبة ام في ضياع الشتات ، اذ لم يزل هناك في مجتمعنا ابناء نخوة وقيم وسماحة ونظافة يد ، وبياض قلب ، مع نبل وطيبة ونخوة وعفو عند المقدرة وروح مساعدة ، ولم تزل هناك سيّدات عراقيّات رائعات ومبدعات حقيقيّات نباهي بهنّ اروع النسوة في العالم .. ولم يزل هناك في العراق اصحاب اخلاق عليا كونهم تحلّوا بقلوب طيّبة ووعي وتربية وحسن سلوك وعلو جناب وانعدام فوارق وتمييز .. ولكنهم، للأسف يتناقصون يوما بعد آخر ، فان كانوا هم يحملون بعض اخلاقيات الماضي ، فانّ بعض ابناء وبنات هذا الجيل له انحرافاته وتعصبّاته وانقساماته وطائفيّته وشوفينيته .. وهو يرفض ان ينسجم مع غيره من العراقيين !
سئل احدهم يوما : انت كعراقي هل تتعاطف مع ابن وطنك ان اختلف عنك في مذهبك وطائفتك ودينك.. ام تتعاطف مع ” هندي ” لا يشاركك مواطنتك، بل يشاركك الانتماء الطائفي ؟ اجاب مباشرة قائلا : اصطّف مع الهندي كوننا في خندق واحد ! وهذا يذكّرنا بأمواج من العراقيين كانوا الى قبل زمن قصير يكرهون بشار الاسد كراهيّة عمياء ” كونه على رأس نظام بعثي ويعتقد بالأمّة العربيّة والفكر القومي ” ، وقد جعل نفسه مصدّرا للإرهاب ضدّ العراق والعراقيين بإرساله عشرات الارهابيين لتفجير العراقيين على مدى سنوات .. وفجأة ينقلب دين تلك الامواج البشريّة ، ويغيرّون معتقدهم ، ليصبح الاسد عندهم قائدا شريفا رائعا وله وطنيّته ، فاخذوا يتفاخرون به ويناصرونه .. اجابني احدهم يوما ، وكان قد صنع ثروته البالغة على عهد النظام السابق ، اذ كان ربيب قياداته من البعثيين : بصراحة ، اننّا مع ايران وسياستها وتوجّهاتها ، ولا يهمنّا مصير سوريا والعراق .. فماذا نفسّر هذه ” الحالة ” السايكلوجية الجمعيّة ؟
للأسف ، ثمّة مجموعات كبرى من الناس من عوام وخواص ، قد فقدوا الاخلاق مذ تربوا على سلوكيّات سالبة كالخديعة والابتزاز والرشوة والسرقات والسيئات وعلى التوحّش والانانيّة والتعصّب الاعمى والاحقاد وكراهيّة المجتمع ، وقد ماتت عندهم كلّ القيم العليا والدنّيا ، وربما لم يعرفوا السماحة منذ ان ولدوا .. وعاشوا بكل وضاعة تأكل الاحقاد قلوبهم في الازقة الخاوية التي امتلأت بأبناء ما اسموها بـ ” المكوّنات الثلاثة ” ، فذبحوا المجتمع العراقي ذبحا ، فاذا كانت هذه المكونّات الثلاثة غير منسجمة اصلا ، ولا تجد فيها الا التنافر ، فهل يعقل ان تنسجم الاكثريّات مع ( الاقليّات ) التي اخذت تسحق يوما بعد آخر كالمسيحيين والصابئة واليزيدية والارمن وغيرهم ؟؟؟ ..
لقد انحدر العراقيون الى الاودية والقيعان في الخمسين سنة الاخيرة ، ولم يرتفعوا نحو القمم واعالي الذرى بأخلاقياتهم السامية .. انحدروا حيث الهاوية السحيقة التي ليس باستطاعتهم الخروج منها ابدا جراء الاخلاقيات المتدنيّة .. لقد فقدوا كلّ سبل العودة، ولم يتركوا هامشا واحدا كي يعودوا من حيث ذهبوا، او يصعدوا من حيث نزلوا .. لم يتعلّموا قيم الانسان في المعروف ، بل رضعوا من اثداء الخبائث والمنكرات ، فهم ينكرون المعروف ولا يذكرون من صنعه معهم .. لم يحترموا صلة الأخوّة والصحبة ولا ايام الوقفات الوطنية الصعبة .. لقد فقدوا عذريتهم وشهامتهم كأناس اسوياء ما داموا قد شبعوا او استفادوا او قضوا مصلحتهم او مصالحهم .. ان الفارغين والتافهين يسرعون الى استخدام الشتائم والسباب ، لقلّة حيلتهم ، وانعدام حجتّهم وهم من مختلف الاطراف والالوان .. وقد هرعوا الى انتماءاتهم التافهة القبليّة والعشائريّة والطائفيّة والعرقية والجهويّة على حساب انسحاق مواطنتهم العراقيّة .. ولكنهم لا يدركون حجم الايذاء النفسي الذي يتعرّض له من وقف معهم واكرمهم وفتح قلبه لهم ..
ان المسألة مبدئيّة ، فالعلاقات الاجتماعية في نسيج المجتمع الواحد لها حقوق ولها واجبات ، ولا يمكن ان تتمتّع بحقوقك مع كلّ ذوي علاقة معك، وانت لا تؤدّي واجبك تجاهه باحترامه مهما اختلف عنك ، كما تقول كلّ الاعراف ، خصوصا اذا كانت العلاقات لا تشوبها اشياء خطيرة او منافسات بين الخصوم على منفعة معينّة.. كما لم يعد هناك في المجتمع من يقول كلمة صدق ، ولم يسع لإصلاح ذات البين ، ولا تجد الا الرياء واللامبالاة والصمت . كنت اقول يوما ان وراء كلّ ذلك التصلّب في القوميّة ، او التشدّد في الطائفة ، ولكن بدا ان ايّ منظومة مذهبيّة او عرقيّة او طائفيّة سياسية تجد انقساماتها في دواخلها نفسها ايضا .. فاذا كانت المضامين خاوية ، فكيف ستكون الشعارات التي يتشدّقون بها ؟
باتوا يكرهون حتّى انفسهم مذ طغت العلاقات النفعيّة والبينتهامية التافهة في ما بينهم .. وكم هم من المنافقين ، فهناك من تراهم يظهرون الود والمحبة لك في وجهك ، ولكنهم يكذبون ، فقد مهروا مهنة النفاق والتزييف ولبس الاقنعة بمهارة عالية عبر التاريخ ، كما احترفوا اللعب على هذا وذاك .. وترى آخرين يصومون ويصلّون ويتعبّدون جهرا ويتبجّحون بذلك كالمرائين، ولكن الايذاء سمتهم ، والنذالة ديدنهم ، والاحقاد تأكلهم ! هم يمارسون كل الدعارات ، ولكنهم يعتقدون ان الدين والتقوى بضاعة نفعية ايضا، ولكن الدين لا يمنحهم شهادة حسن سلوك لا في الارض ولا في السماوات، او يحسبون انه يرفعهم على بقيّة الناس مقامات ! ولقد اتخذوا من شعار ” الوطن ” بضاعة بخسة لهم باحتكاره دون الآخرين ، يتاجرون باسمه ، ويتناحرون باسمه ، وقد ضاع العراق واهله. لقد ماتت رجولتهم مذ غابوا عن أسمى المعاني.
لقد اصبحوا داعرين مذ تركوا الاخلاق والقيم العليا في صندوق القمامة .. وعمّت البلايا حتى في ابسط العلاقات السليمة بين ابناء البلد الواحد .. ذهب الوفاء ، وماتت الطيبة مع اهلها الطيبين الوديعين .. وقد يسأل سائل : لماذا حلّت الكراهية بين الإخوة العراقيين ؟ واصبحوا كالأعداء تأكلهم الاحقاد، وكلّ طرف يصف الآخر بأقذع الصفات. لماذا التجريح بين المعارف والاصدقاء؟ لماذا التسقيط من دون وجه حق ؟ لماذا الصاق التهم الضالة والرخيصة بأصحاب الرأي الاخر ؟ ما سمة هذا الزمن الكسيح ؟ لقد غدا اصدقاء الامس لا يطيقون بعضهم بعضا لأسباب اعتبرها واهية ومضحكة ، وباتت العلاقات الاجتماعية مجرد اكذوبات ولعب على الذقون وعلاقات سمجة لا معنى لها في حياة منفعية تافهة وخليعة شبيهة بالمبغى العام! فهذا يغطّي لذاك .. وهؤلاء كلهم يغطّون ويعتمّون على حكّام ومسؤولين واستخدام التمويه والتعمية والانحسار ! لماذا انحدر المجتمع برمتّه الى هذا الانهيار ؟ ثمة اسباب متنوعة وراء العلاقات السايكلوجية غير المتكافئة بين العراقيين ، منها مسببات طائفية مذهبية، ومحلية جهوية، وعرقية وجغرافية وسياسية أيديولوجية .. واغلبها قديمة نضجت على مهل من خلال الكبت الجمعي الخ واذكيت على مدى اكثر من خمسين سنة مرت على المجتمع العراقي الذي كان متناقضا مع ذاته ، ثم منقسما على ذاته، ثم محاربا ذاته، واخيرا مشوها ذاته بأساليب لا يمكن تخيلها ابدا اليوم !
وعليه ، كيف تكون النذالة للوطن ، للمجتمع ، للإنسان ، للتاريخ .. بعد ان كانت نادرة جدا في الزمن الجميل ؟ النذالات صنعتها الخيانات، والغدر صنعته المؤامرات ، والانشقاقات صنعتها الانقسامات، وكثيرا ما تردّدت هذه ” المرادفات ” الرخيصة في قاموس البيانات ( الثورية ) رقم (1) التي كانت تأتي بها الانقلابات الصبيانية العسكرية التي يتحمّس مذيعوها ، ويشقون حناجرهم عبر اجهزة الراديو او شاشة التلفزيون ، فخلقت وعيا شعبويا بها ، ومن ثم امسينا اليوم نعيش ثقافة لا اخلاقية ابدا .. لقد عمّت الكراهيّة بشكل صارخ حتى بين من تجمعهم صلة قربى، او صلة عصب، او علاقة رحم، او صداقة طفولة، او شراكة ذكريات شباب او زمالة عمل .. لماذا نجد الحياة عندهم نسوة ورجال كغابة موحشة يأكل احدهم لحم الآخر؟ انني استغرب ان اجد الانسان في مجتمعنا ( سواء في الدواخل او عند جالياتنا في الشتات ) وقد غدا سيئ الظنون ، طويل اللسان، وقليل الادب، وبذيء الكلمات، وسريع الشتيمة والغضب يتبرّع بتطفّله عليك بلا ايّ سبب ، حتىّ عند نسوة يعتبروهن سيّدات سواء كنّ محجبات مغلفّات ام سافرات غير محجبّات، وقد ملأن قلوبهن بالغل الاسود ! وهذه مسألة خطيرة ينبغي استئصال الورم الخبيث من اذهان العامة والخاصة معا ، والذين صدّقوا الاكاذيب ، وهم يعتقدون ان كلّ الاحزاب والتيّارات الاسلاميّة السنيّة والشيعية الحاكمة ، مقدسّة ومتجليّة بسموها واخلاقها .. وقد اثبت الواقع على الارض بأنها اسوأ الكائنات في ممارسة السياسة والحكم ، وانها كلها عديمة الاخلاق والتربيّة ، ولا تؤمن بالتراث الانساني والاخلاقي والعلمي والقانوني لهذا العصر !
كم يا ترى الاناء كبير ينضح بما فيه في مجتمعنا ؟ كم يا ترى اتّسع الشقّ على الراقع .. ولم يعد صالحا ابدا ! والمصيبة ان هناك من رحل ، او هاجر ، او نزح نحو مجتمعات غربية ، ولكنه لم يتعلّم ابدا من اساليب انسانيّة رائعة ، ولا من قيم خيرية نبيلة ، ولا من مزايا الصدق واحترام الزمن واحترام الموعد او من الاخلاص والوفاء او احترام الرأي المخالف وعدم الخروج عن القانون .. او من الكلمة الطيّبة او من حسن الاخلاق والنوايا ، ولم يعرف المعاني الخصبة للتسامح .. بعدم ايذاء الآخرين ، فكيف بإيذاء الصديق والقريب ؟!! ولعلّ الايذاء النفسي اقسى بكثير من الايذاء الجسدي، فانظروا اين وصل الانحدار لدى العراقيين.
ان اوضاع المجتمع العراقي لابد من تفكيكها، ونقد مضامينها بجرأة وإقدام .. انها بحاجة ماسّة الى الوعي بها من قبل الناس جميعا ، والخروج من دوائر تجميل هذا الواقع المزري ومداراته كونه يحكم من فلان او علان ، او الخوف منه او الخوف على المصالح الانوية .. ان نكبة العراق ستستمر ان تربت الاجيال الجديدة على افرازات هذا الواقع وتناقضاته المهلكة وبؤس الطبقة السياسية التي تحكمه . ان العراقيين بحاجة ماسة الى ثورة تربوية وعلمية لا يمكن ان يحققّها هؤلاء الذين جلسوا في السلطة ، واستحوذوا على مؤسسات العراق الحيوية. وعليه ، فانّ الضرورة تقضي بتغيير العملية السياسية الى ثورة اجتماعية من اجل التمدن والاخلاق قبل اي شيء آخر . اننا بحاجة ماسّة الى قيادة اخلاقية للبلاد ، وكما يري عالم الاجتماع هيفتيز بأن على القيادة الاخلاقية استخدام السلطة لجعل الناس اسوياء في مجتمعهم والاعتماد على افضل الناس في النمو الاجتماعي .. أما عالم الاجتماع الآخر بيرنز فيرى ان على القادة الاخلاقيين التخفيف من القيم المتصارعة وتلبية الحاجات المعنوية والمادية معاً .. فمن ذا الذي يسمع ومن ذا الذي يرى اليوم من قيادات العراق الكسيحة ؟

نشرت في جريدة المدى ، بغداد ، 19 اكتوبر / تشرين الاول 2015 ، ويعاد نشرها على موقع الدكتور سيار الجميل
www.sayyaraljamil.com

شاهد أيضاً

عالميون من مدينة الموصل

عالميون  من مدينة الموصل  .. كما  ورد  موقعنا  ، وهو  يحمل  ستة اسماء  ، هي …