الرئيسية / الرئيسية / من أجل خارطة طريق جديدة للموصل ونينوى

من أجل خارطة طريق جديدة للموصل ونينوى

أعزائي أهل الموصل ومحافظة نينوى الكرام
تحية وطنية لكم وإلى أم الربيعين البطلة وإلى كلّ أبناء المحافظة الجميلة

إن المأساة التي تعيشونها منذ عشرة أشهر مضت ، بعد الفجيعة التاريخيّة الكبرى التي حلّت بالمدينة والمحافظة التي جاءت بعد سنوات صعبة من المعاناة والإرهاب والتهميش وحالات الفوضى .. إنما هي من أعتى المصاعب القاهرة وأسوأ التحديّات الجائرة التي مرّت بالموصل وأنحائها على مرّ التاريخ .. إن ما حدث ويحدث اليوم ، كان حصيلة أسباب عديدة ، منها ما ظهر ، ومنها ما بطن .. وسيكشف المستقبل عوامل التاريخ الصعب ومدى جناية الآخرين الذين اجرموا بحقّ الموصل وعبثهم بها وضرب مجتمعها وتفريق انسجامه المتميّز بتنوّعاته وتعددّياته .. ومدى جناية البعض من سكّانها والنازحين إليها على الموصل وأهلها .. وكيف سقطت المدينة وتشرّد أهلها أو هجّر الآلاف من أبنائها المسيحيين ظلما وعدوانا ، وكيف هرب الناس من أهلها على حساب هيمنة قوة إرهابية لا يُعرف عنها شيء .. أسقطت الموصل وبددت قوتها وسحقت نفسية رجالها ونسائها والقضاء على خصوصياتهم ونهب أموالهم والسيطرة على مواردهم وقتل رموزهم وسحق آثارهم وتفجير معابدهم وحرق مكتباتهم وموجوداتهم ورموز حضارتهم .. ناهيكم عما جرى لأبناء المحافظة الكرام من العرب والكرد والتركمان والمسيحيين واليزيدية والشبك والأرمن وغيرهم من الويلات والكوارث ..

يا أهل الموصل وأبناء نينوى الكرام
إن العالم الذي شهد ولم يزل يرى المأساة التي حلّت بكم لم يتحرّك ، ولم يتعاطف مع ما حلّ بكم .. وأنتم تعيشون أعظم مأزق في حياتكم وأسوأ زمن في تاريخكم .. بل إنّ حكومة بغداد لم تزل حتى يومنا هذا لم تُدن أو تحاكم أو تعاقب كلّ من اجرم بحقّ الموصل وتركها طعاما للضواري والوحوش .. ولم تحاسب من كان مسؤولا واحدا على جريمته في سقوط الموصل بأيدي داعش وكلّ الارهاب .. لم تحاكم من كان سببا في هذه الفجيعة التاريخيّة التي حلّت بكلّ العراق .. ان سقوط الموصل ، سيكون نقطة تاريخيّة سوداء في تاريخ كلّ العراق ، بل وسيعدّ علامة فارقة في تاريخ كلّ منطقة الشرق الاوسط ..

من أجل خارطة طريق جديدة
إنني أهيب بكم أن ترسموا مستقبل قضيّتكم ضمن خارطة طريق جديدة من اجل بدء حياة تاريخيّة جديدة في ظل وجودكم ضمن كيان العراق :
أولاً : ان تكونوا يدا واحدة وان تؤمنوا بأن لا هدف لكم إلا تحرير مدينتكم وكلّ توابعها وأنحائها من توحش داعش وسيطرتها . وذلك بتوظيف كلّ السبل والاساليب من اجل تحقيق هذا الهدف للخروج من المأساة المرعبة .. اذ لا يمكن ان تبقى مدينة حضارية مثل الموصل بأيدي عصابات من المتوحشين .
ثانياً : عليكم بأن تنسوا اليوم كلّ الخلافات السياسيّة والاجتماعيّة الآن كما تتطلّب ذلك مرحلتكم الصعبة ، وتؤمنوا بأن لا تحرير لأيّ جزء من وطنكم ومدينتكم ، ان بقيت الخلافات مستعرة دينيّة او مذهبيّة او سياسيّة او اجتماعيّة او عرقيّة .. في ظلّ واقع موبوء كالذي عشتم عليه لأكثر من عشر سنوات مرّت إثر الاحتلال عام 2003 ، او المعاملة السيئة التي تلقيتموها من قوّات عسكرية عراقيّة سابقا والتي تخشون من انتقامات طائفيّة قادمة !
ثالثاً : عليكم ان تقدّموا الأهمّ على المهم من اجل الخلاص من المأساة سواء في الداخل ام في الخارج .. وان تعمل قيادة سياسيّة محليّة حقيقيّة لها قدرتها في التحدّث باسمكم والدّفاع عن وجودكم ومستقبلكم .. فلا يمكن ان تبقوا متشرذمين حتّى الآن وانتم تنتظرون من يخلّصكم .. ان الجميع مطالب بالاتّحاد والتآزر والتضامن من دون ايّة خلافات .. ان استراتيجية القضية ينبغي ان تغفل كلّ الامور الصغيرة .
رابعاً : إن العزيمة لابدّ ان تكون قويّة بالوقوف مع ايّة جهة او ايّ طرف وطني او خارجي من اجل تحرير الموصل ونينوى ومن اجل دعمكم وخلاصكم .. واعلموا أن وحدتكم للوصول الى الهدف لابدّ ان تمرّ بقنوات متنوّعة ينبغي قبولها الآن مؤقتا بلا ايّ تخوّف ، فالقضايا الكبرى ينبغي ان تأكل المشكلات الصغرى . لا تلتفتوا الى ما هو صغير ، ولا الى الدعايات المضادة ، ولا تهتموا لمن تشمّت بكم ، لا تثيركم أحقاد الآخرين وكراهيتهم ، كونوا اكبر منهم وتعاملوا مع الجميع بالحسنى لتكسبوا المستقبل .
خامساً : عليكم بالانفتاح على انفسكم اولا والانفتاح على الآخرين ثانيا .. وعليكم ان لا تبقوا بعد اليوم تسبّحون بأمجاد الماضي ، فالحياة قد تبدّلت والخرائط قد تغيرّت .. ان مصير الموصل ينبغي ان يبقى عراقيّا وسوف لا تكون الموصل ايرانية او تركية أو امريكية ابدا .. ولكن اعلموا بأنّ الموصل ومحافظة نينوى بكلّ ما يحفل بها من انواع البشر بكلّ دياناتهم واعراقهم لا يمكنها العيش وحدها ، اذ ستبقى عراقيّة جزءا من العراق ، ولقد قدّر للعراق ان يبقى جسدا واحدا .. وعلينا ان نقبل به شئنا ام ابينا ..
سادساً : ان كلّ الافكار والعقائد تتغيّر ، وكلّ المجتمعات تتنوّع وتتبدّل .. ولكنّ الارض والاوطان واحدة لا تتغيّر ولا تتبدّل .. عليكم بالأرض والوطن اولا ، عليكم بالمدينة واللواحق والاطراف .. ثم اختلفوا في ما بينكم على الافكار والمذاهب والآيديولوجيات . افتحوا صفحة جديدة في التعامل مع الآخرين اساسها الاحترام والسلام والأمن والانفتاح..
سابعاً : أتمنى عليكم من اجل تحويل جملة من الافكار التي انتم بأمسّ الحاجة اليها الى مؤتمر سياسي ستراتيجي دوري لتأسيس برنامج عمل يترافق مع عمليات تحرير الموصل وبناء قوّتها الوطنيّة واستعادة دورها الاقليمي والاقتصادي .. شريطة ان يخرج بنتائج يمكن تطبيقها في الميدان على الارض . حررّوا الموصل ونينوى ومن ثم حاسبوا من كان سببا في ضياعها .
ثامناً : على كل ابناء الموصل واهالي نينوى التفكير منذ الآن بإعمار ما سحقه الاعداء ، والتفكير بإعادة تأهيل المدينة ومعالجة ابنائها وإصلاح احوالها واستعادة ما خسرناه من المعابد والآثار والكنوز .. ناهيكم عن دور كل من يتمكن لتأسيس كل ما هو خيري ونفعي ، والعمل على استعادة الدور الحضاري للموصل ونينوى واعادة بناء ما تهدم او تفجّر او تحطّم..
وأخيراً ، نتمنى مخلصين ان تترجم هذه ” الأفكار ” الى برنامج عمل وتنبثق لجنة الدفاع الوطني للدفاع عن الموصل مع انطلاقة حياة جديدة على يد قيادة محلية تتحمّل المسؤولية التاريخية على عاتقها .. من اجل تحرير ثاني مدن العراق على الإطلاق ، وان يهبّ كلّ ابناء الموصل من تأثير هذه الفجيعة التي حلّت بهم ليقابلوا التحدّي بالاستجابة ، ويعملوا ليل نهار من اجل استعادة مدينتهم البطلة والعمل على بدء تاريخ جديد ، شريطة تدريبهم وتسليحهم بأحدث الأسلحة من اجل استرجاع الموصل وكلّ ربوع نينوى بكلّ الوسائل المتاحة .
عاشت الموصل حرّةً أبيّةً عراقيّةًّ إلى الابد .. وعاشت نينوى حضارةً وتاريخاً مشرقاً

نشرت في جريدة المدى البغدادية ، السبت 28 آذار / مارس 2015
http://www.almadapaper.net/ar/ViewPrintedIssue.aspx?PageID=14184&IssueID=1717
ويعاد نشرها على موقع الدكتور سيّار الجميل
www.sayyaraljamil.com

شاهد أيضاً

هل تعود الموصل إلى الحياة.. كما هيروشيما؟

خرجت الموصل، مدينةً وشعباً، من تحت بطش “داعش” بأثمانٍ غاليةٍ جداً، بعد أن قامت أربع …