الرئيسية / الرئيسية / الخلط بين المذهبية والطائفية

الخلط بين المذهبية والطائفية

كئيب فعلاً هذا الزمن العربي الذي نحيا فيه، وقد شغل الناس، هنا وهناك، بأوبئة ماضوية غدت جزءاً من واقع كانت سبباً في تمزيقه منذ أكثر من ثلاثين سنة، مرت علينا بكل مخازيها، وانحرفت سياسات عن طريقها، واشتعلت حروب، وانهارت أنظمة، وتمزقت مجتمعات وتوالدت ثقافات رثة، وغدت أمراض الكآبة الجمعية تسمي ما حدث بأنه “واقع” ينبغي الإيمان به، والتعامل معه! تراخت النزعات الوطنية التي تربينا عليها في الماضي الجميل، وأصبحنا نستمع لمن يفرق على أساس محاصصة طائفية عقيمة، أو لمن يدافع عن هذا المذهب أو ذاك.
ويبدو واضحا أن غالبية الناس لا تفرق أبدا بين مصطلحي “المذهب” و”الطائفة”. وقد تم الخلط بينهما لأسباب سياسية بحتة، فالأمر يخدم أي توجه طائفي، من أجل تصنيف المجتمع على أسس محاصصة طائفية بإدخال “المذهب” في جدلية أصبحت مباحة في مجتمعات اليوم، بعد أن كان يستهزئ بها بعضهم، أو يسكت عنها الآخرون، قبل خمسين سنة. وأن إدخال “المذهب” وخلط الأوراق مع “الطائفة” عملية مشيطنة ومفضوحة، غرضها استخدام الدين سياسياً بالسيطرة على المجتمع. وما دام المجتمع لا يستطيع الاعتراض على ذلك، فمن السهولة القبض على أنفاسه، أو جعله قطيعاً، لا تحميه الكلاب المدربة، بل تفترسه الذئاب المتوحشة!
كم كانت المذاهب، قبل عقود، محترمة في معاقلها أو مدارسها أو حوزاتها، ليس من بعضها لبعضها الآخر فحسب، بل من المجتمع كله لها، لكنها أصبحت، اليوم، مدعاة للأحقاد والكراهية والخصومات، وعرضة للتشاتم والسباب والتشهير. نزلت من مكانتها وعليائها، وفقدت، اليوم، ليس رمزيتها، بل عذريتها، كونها أقحمت سياسياً في مختلف الميادين، لتغدو أدوات فقهية للقتل والتشنيع والتفجير في ميادين حروب أهلية قاتلة. وغدت أجندة للمشروعات الطائفية التي لم تبق منحصرة لدى رجال دين أو رجال مذاهب أو رجال اجتهاد من علماء أفاضل، بل أصبحت بأيدي رجال طوائف وزعماء فصائل وقادة مليشيات وأحزاب. والأنكى من ذلك أن ينحدر المجتمع، ليس بقاعدته المجتمعية الكبيرة، حيث تحركها العواطف، بل بأغلب الفئات الاجتماعية، وحتى النخب المهنية والتعليمية و(المثقفة) إلى هذا المستوى العقيم، وهي التي لم يكن أحد يصدق سابقاً أنها ستنحدر إلى هذا المآل الصعب.
وجدنا في العراق، مثلاً، عديدين ممن يسمون أنفسهم مثقفين يدّعون العلمنة، وكانوا قد حسبوا في زمن مضى على التقدميين والماركسيين أو القوميين أو الناصريين أو البعثيين، وقد أصبحوا، اليوم، أسرى للطائفية المقيتة، يدافعون باسمها، وينتخبون عناصرها وقياداتها، بل بدوا، اليوم، يحملون كتلة من التناقضات المبهمة. إن سألته في أمور الدين العادية يجهلها، لكنه يدافع دفاعاً مستميتاً عن طائفته، كونه يعتقد اعتقاداً راسخاً بأن وجوده مرتبط بها، قبل وجوده كإنسان أو مواطن.
يتكلمون باسم الواقع والواقعية، بهدف تكريس الخطايا التي تعمّ حياتنا، بل ويتخذون من هذا تبريراً لما يعجّ به واقعنا من تمزقات طائفية، لم يعهدها أبداً وجودنا السياسي والاجتماعي والثقافي من قبل. إنهم يدركون جيداً حجم الفوضى التي تجتاح حياتنا العربية، لكنهم يدافعون عن كارثة انقسامية قائمة بذاتها، من أجل الإبقاء على حكومة طائفية هنا، أو سلطة طائفية هناك، أو تلميع أحزاب وقوى طائفية، تعمل من أجل إبقاء الانقسامات، وتأجيج الصراعات، والحل عندهم أن ينقسم العراق ثلاثة أجزاء، وأن تبقى معاناة السوريين إلى أبد الآبدين، وأن يتشظى لبنان كما كان، وهكذا تهترئ مصر، ويلتهب اليمن ويتفجّر الخليج العربي.
أعتقد أنها كانت سابقاً من الجماعات المُتَخَيَّلة، ليس بالمعنى الذي استخدمه بندكت أندرسن في معالجته تفكير الجماعات القومية، بل بالمعنى الذي يمكننا وصفه بالسيكولوجية الباطنية، بإظهار ما ليس مخفياً في البواطن. وعندما حانت الفرصة، بدت الحقيقة واضحة، فما كنّا عليه قبل خمسين سنة هو من صنف التاريخ المزيف، ومجتمعاتنا كذبت على نفسها، وإنها إذا كانت قد اختلقت كياناتها السياسية وأحزابها وأيديولوجياتها الماكرة، فهي مجتمعات واقعية، كانت تظهر عكس ما تبطن، وإذا كانت مؤمنة، ولم تزل، بمذاهبها الدينية، فقد انقلبت عليها، اليوم، كي تؤمن بطوائفها السياسية، وهي تؤمن ايماناً راسخاً بأن وجودها مرتبط بهما، في حين أن المذاهب لا تخلق بالضرورة طوائف، ذلك أن جماعة المذهب المُتَخَيَّلة لا ترتبط، ولا تعيش، سياقات متطابقة قطّ مع جماعة الطائفة المُتَخَيَّلة التي بات المجتمع يتعامل معها كواقع مفروض.
“الطائفية السياسية زرعت ديانات جديدة باسم “الإسلام السياسي”، وأصبح المجتمع ينقسم، شيئاً فشيئاً”
إنهم، اليوم، يخلطون بغباء شديد بين الدين والسياسة، أي بين المذهب والطائفة. وعليه، لم تحي المذاهب التي تأسست، قبل قرون طوال، كطوائف سياسية، في حين أن الحركات السياسية الحديثة عاشت وانتشرت، كونها حركات طائفية، استخدمت الدين والمعتقدات، وحتى الفروض، شعارات سياسية لها، وأجندة أيديولوجية من أجل انتشارها. الحنفية والحنبلية والشافعية والمالكية والجعفرية والزيدية والإباضية وغيرها، كمذاهب دينية، هي غير السلفية والخمينية (ولاية الفقيه) والحوثية والإخوانية والقاعدة وعصائب أهل الحق وجبهة النصرة وداعش وأنصار الحق وأهل العدل والإحسان .. إلخ.
المذاهب التقليدية تشمل كل أبناء المذهب، بل نسيت الناس، قبل خمسين سنة، مذاهبها، جزئياً وليس تاماً، ومؤقتاً وليس دائماً، في حين أنّ الطائفية السياسية زرعت ديانات جديدة باسم “الإسلام السياسي”، وأصبح المجتمع ينقسم، شيئاً فشيئاً، ويتغيّر زيادة ونقصاناً، تبعا لحالة الانضواء إلى هذا الطرف أو ذاك، وتبعاً لما هو يبدو اليوم تامّاً، وليس جزئياً، ودائماً وليس مؤقتاً. وهنا، نصبح راجعين نخلط الماضي بالحاضر دوماً، وندور في دائرة جدل عقيمة بين الدين والسياسة، وقد أنزل الدين من عليائه، ليكون مادة دسمة للاستلاب السياسي.
أقول إن الواقعية ليست غطاء للخطيئة، فإن كان الواقع موبوءاً، فينبغي تغييره بأي ثمن، فلا تغيير بلا حلم، ولا ثورة من دون تعارض، ولا تقدّم من دون نقد وحوار، ولا ديمقراطية بوجود رعاع ومفترسين وشذاذ آفاق.

نشرت في العربي الجديد ، لندن ، يوم الاثنين 9 آذار / مارس 2015
http://www.alaraby.co.uk/opinion/2015/3/8/%D8%A7%D9%84%D8%AE%D9%84%D8%B7-%D8%A8%D9%8A%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B0%D9%87%D8%A8%D9%8A%D8%A9-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%B7%D8%A7%D8%A6%D9%81%D9%8A%D8%A9
ويعاد نشرها على موقع الدكتور سيّار الجميل
www.sayyaraljamil.com

شاهد أيضاً

جدلية التعايش التاريخي والافتراق السياسي بين العرب والكرد

الاصدقاء الاعزاء .. اقدم لكم اليوم مختصر محاضرتي في مؤتمر العرب والكرد ، وسينشر نص …