الرئيسية / الرئيسية / العراق 1958 في الوثائق البريطانية الحلقة الاولى : المدخلات المنهجية وعناصر الموضوع

العراق 1958 في الوثائق البريطانية الحلقة الاولى : المدخلات المنهجية وعناصر الموضوع

هذا التقديم
لما قرأت مخطوطة ” الكتاب ” الذي أعدّه الصديق الدكتور مؤيد الونداوي ، سألت نفسي أسئلة عدة : كم هو التاريخ الرسمي الوثائقي بعيد عن اذهاننا حتى اليوم ؟ وكم هي الذاكرة الجمعية بعيدة كل البعد عن الصور الحقيقية والصادقة ؟ وكم يغيب منهج ( او : مناهج ) التاريخ الجديد عن الثقافة العربية اليوم ؟ وكم يؤمن الناس لمديات زمنية طويلة بمختزلات غير صحيحة ابدا ، وهم يعتقدون بها اعتقادا راسخا ، بل بعيدون جدا عن التفاصيل ؟ وكم تختبئ الحقائق التاريخية لازمان طوال حتى تبدأ بالظهور ؟ وعندما تظهر ، تكون الناس قد شاخت على ما تداولته من اخيلة ودعايات ؟ او انها رحلت عن الدنيا وهي معتقدة بها ، او انها اعتقدت لعقود من السنين بما اشيع من اوهام ، او بما تناقلته الالسن من اكاذيب ومفبركات ، وبما روجّت اليه السلطات او الاحزاب من شعارات واضاليل ؟ بل وان ثمّة ازدواجية مخيفة في تفسير التاريخ ، وخصوصا عندنا نحن العرب ، عندما تنتقل الآراء السياسية والمداولات الايديولوجية لتصبغ الحقائق التاريخية والمعلومات عن الاحداث والاشخاص والوقائع وكل الاشياء بالصبغات الايديولوجية .. بل وكم تتشظى الحقيقة عندما تعالج من جوانب عاطفية لا بوسائل منهجية وحيادية وعلمية قاطعة .. ؟؟
لقد كلفني المركز العربي للابحاث ودراسة السياسات في الدوحة بدولة قطر مشكورا بقراءة هذا ” الكتاب ” وكتابة دراسة عنه واعتبارها مقدمة له ، فقرأت مخطوطته التي تضم بين دفتيه وثائق بريطانية مهمة عن العراق على امتداد ستة اشهر مهمة جدا في تكويننا العربي المعاصر ، سبقت اهم حدث تاريخي حدث في العراق يوم الرابع عشر من تموز / يوليو 1958 ، وكان ان هزّ المنطقة والعالم كله ، وشكّل منعطفا تاريخيا في سيرورة العراق والعراقيين حتى يومنا هذا ، وينقسم الرأي العام العراقي ازاء الحدث ، منذ ولادته حتى الان ، الى قسمين اثنين : قسم يؤيد الحدث بكل تفاصيله او ببعضها ويعتبره ضرورة اساسية للعراق والعراقيين . وقسم آخر يرفضه رفضا قاطعا ، ويعتبره كارثة حقيقية المّت بالعراق والعراقيين . وانني اعتقد ان الاثنين كطرفي نقيض قد وجدا حتى هذه ” اللحظة ” من يفصح عن حقائق واسانيد ومواقف توضّح الجوانب الخفية للعراقيين تاريخيا عن هذا الحدث الذي يعتبر مفصلا اساسيا ليس في تاريخ العراق وحده ، بل في تاريخ المنطقة بأسرها .
لقد كتبت عن عهد الملك فيصل الثاني ، وعالجت بعض جوانبه من منطق مؤرخ عراقي مستقل لا يتعاطف مع اي عهد ، ولا يدافع عن اي اشخاص ، ولا ينطلق من محاباة اية جهة او حزب او جماعة .. لن ادافع عن عهد ملكي ، ولا أهاجم أي عهد جمهوري .. لم اكن ملكيا اكثر من الملك ، ولم اكن شيوعيا ، ولا بعثيا ، ولا قوميا ، ولا إسلاميا .. انني انسان محايد حر يمتلك رؤية معينة لتاريخ العراق والمجتمع العراقي يدركها جميع من يتابع اعمالي وكتاباتي ، وليس لي إلا محاولات متواضعة لمقاربة الحقيقة .. وما يهمني قبل كل هذا وذاك العراق ماضيا وحاضرا من اجل عرض أية مقاربة تخدم مستقبله والاجيال القادمة .
المدخلات
الوثيقة الدبلوماسية
انها وثيقة تاريخية تحتوي على معلومات اساسية تنقل من دولة الى اخرى عبر قنوات دبلوماسية او خاصة ، وهي تعبّر عن افق معّين من علاقات الطرفين من خلال النصوص المكتوبة او الرسائل المشفّرة او البرقيات السريعة . يقول جاك لوغوف في مقالة له عن الوثائق : ” ان التاريخ يعيش اليوم ثورة وثائقية تربطها بالتاريخ الجديد علاقة غامضة .. ويجب ان لا يكون هناك تصور جديد للوثيقة ونقدها .. ” (1) . ولكن ثمة سؤال يفرضه علينا درس التاريخ العربي الحديث والمعاصر يقول : هل ان الوثيقة – اية وثيقة – بريئة من عناصر نفسية او ايديولوجية او مصالح دولية .. ؟ هنا ينبغي القول بأن المؤرخ لا يمكن له ابدا ان يكتفي باختياراته من وثائق معينة ان لم يخضعها للفحص والنقد باعتباره هو المتحّكم الاساسي في العصر او العهد الو المرحلة التي يتدارسها او يبحث فيها ، وبقدر ما يكون المؤرخ ابنا لذلك التاريخ ، فهو الاجدر بالمهمة العلمية الموكلة على عاتقه ، كي يرسم بكفاءة صورة الماضي الذي خبره اكثر من غيره بعيدا عن النقد التقليدي الشكلي ، وبعيدا جدا عن التمجيد التاريخي لهذا او ذاك . هنا ، لابد من العمل على تفكيك بنية الوثيقة وبحث عناصرها والتعرف على ظروف انتاجها ، وهل تمثّل شهادة جيدة يمكنها ان تتقدم غيرها من المصادر ام لا ؟ ان حفريات المعرفة التاريخية تطالب اي مؤرخ او باحث يستخدم اية ” وثائق ” ان يحيط بنواقص فيها ويقارن معلوماتها بما هو متناقض عنها او مخالف لها ، والامر خطير اذا كان يتعلق بوثائق دبلوماسية تحدد طبيعة العلاقات بين الدول ودوائرها المعنية والشخوص المسؤولين فيها وعملهم ضمن المصالح التي يعملون من اجلها .
المؤلف / المترجم
عرفت المؤلف الزميل الدكتور مؤيد الونداوي منذ زمن بعيد عندما بدأ يعمل في توظيف وترجمة الوثائق البريطانية مستفيدا من خبرته عندما درس تاريخ العراق المعاصر في جامعة ردنك البريطانية .. . وكنت ابارك له جهده المتميز في الوثائق التاريخية البريطانية التي نجح في استحصالها والعناية بها ، ثم ترجمتها ونشرها على الملأ بالعربية . وكانت تلك ” الوثائق ” ولم تزل ، تشكّل مادة أساسية من مصادر البحث التاريخي والدراسة الموثقّة عن تاريخنا العربي المعاصر ونسيجه من العلاقات والقرارات وصناعة الاحداث ومعرفة الشخصيات في القرن العشرين . انني اعدّ الدكتور الونداوي استثناء عن غيره من المؤرخين العراقيين في مثل هذه ” المهمة ” الصعبة ، فلقد تمتع الرجل بقدرة على ترجمة الوثائق ترجمة لا غبار عليها ، بل ويحرص ان يقدمّها الى القراء والباحثين من دون ان يتلاعب بمضامينها ابدا . ان هناك البعض من المؤرخين الاكاديميين العراقيين قد نشروا بعض الوثائق البريطانية ، ولكنهم فشلوا فشلا ذريعا ، فالمهمة صعبة ، وهي بحاجة الى تمكّن من اللغتين الانكليزية والعربية ، فضلا عن الحرص والدقة في معالجة النصوص المهّمة . ان المؤلف قد نجح في تقديم مثل هذه ” الوثائق ” بين ايدي الباحثين والمؤرخين ، وبالرغم من كونه لم يتدارسها ويقدّم نقدا واسعا في مضامينها ، الا انه نجح ليس في اكتشافها ، بل قام بجهد واضح في تنظيمها في شكل جداول تمتد على مدى متسع ، بالتعريف لما تتضمنه كل وثيقة في جداوله . واخيرا اقول بأن ما تضمنّته الوثائق البريطانية عن العراق والدول الاقليمية والعربية صاحبة العلاقة به ، لا يمكن ان تكمل الصورة للتاريخ الوثائقي الجديد للمنطقة كلها ، من دون الكشف عن الوثائق البريطانية الخاصة بكل من مصر والسعودية والاردن والكويت بشكل خاص ، ثم الوثائق البريطانية التي تغطي الفترة الزمنية نفسها والخاصة بكل من تركيا وايران ناهيكم عن الوثائق الاميركية المعنية بشؤون كل الشرق الاوسط (2) .
اولا: الوثائق البريطانية المكمّلة
1/ الثنائيات
لعل من اهم الوثائق البريطانية التي لها علاقة مباشرة بوثائق هذا ” الكتاب” هي تلك التي ترجمها ونشرها الضابط العراقي المعروف بكتبه وتسجيلاته العميد الركن المتقاعد خليل ابراهيم الزوبعي والذي اعتنى بوثائق مرحلة ما بعد ثورة 14 تموز / يوليو 1958 ، او بالأحرى عهد الزعيم عبد الكريم قاسم ، وهي في اربعة اجزاء وهنا اقول بان لا يمكن ان تكمن الفائدة التاريخية للمؤرخ والمختص وحتى للقراء ان لم يكمل شوط عنايته بوثائق لاحقة يضمها الكتاب الثاني بأجزائه الاربعة (3).
من جانب آخر ، سيخرج المؤرخ باستنتاجات مهمة جداً وهو يقارن ليس بين سفيرين بريطانيين اثنين ولا بين سياستين بريطانيتين اثنتين ازاء عهدين مختلفين تماماً. بل بين نظامين سياسيين عراقيين متباينين على اشد ما يكون التباين ، وبين زعيمين عراقيين. أولاهما نوري السعيد 1889 – 1958 وثانيهما عبد الكريم قاسم 1914- 1963 ، وسيجد ان الاول لم يفهمه شعبه ولا العرب ولا العالم ابدا ، وذهب ضحية عناده واصراره واحتكاره السلطة والقوة لأكثر من ثلاثة عقود من الزمن ، ورحل في زمن جديد لم يدركه او يفهمه هو نفسه تماما .. وكان الثاني ليس ضحية عهده واخطائه وانفراديته ووقوفه ازاء المد الطاغي للقومية العربية فقط ، بل ضحية بين عهدين سياسيين سبقه الملكي الاول الذي انقلب وثار عليه هو نفسه باعتباره زعيما للضباط الاحرار – كما اسموا انفسهم – ، واعقبه الجمهوري الثاني الذي انقلب وثار عليه البعثيون عام 1963. وكان عهدا جمهوريا ثانيا ، سيطر عليه اولئك البعثيون الذين نصّبوا عبد السلام عارف رئيسا للجمهورية من دون اي انتخابات رئاسية ! وكان كلّ من الشيوعيين والبعثيين قد خرجوا من تحت عباءة ١٤ تموز/ يوليو ١٩٥٨ بل وانهم ولدوا من رحمها ليكون العراق ساحة لصراعاتهم الدموية الصعبة على السلطة والقوة والنفوذ ، ولم يهم كّلا من الطرفين زج العراق في صراعات الحرب الباردة دوليا ، فكان ان دفع العراق اثمانا غالية من الدماء والابناء والاموال في المغامرات والحروب والحصارات والاحتلالات .. الخ ومن المثير جدا ان لا يجد كلّ من الزعيمين العراقيين نوري السعيد وتابعه عبد الكريم قاسم لهما اي قبر بين القبور ، فلقد سحل الاول ومزقت جثته اشلاء ثم احرقت ، واعدم الثاني وتاهت جثته ثم رميت في قاع نهر عراقي !
2/ أهمية الوثائق التاريخية لهذا ” الكتاب ”
لابد ان ينتبه القارئ وهو يتفحص هذه الوثائق ليس بما تسطره مضامينها حسب بل لابد ان يقرأ ما وراء السطور وما الذي تعنيه الكلمات ؟ بل وكيف تكتب المعلومات ؟ وكيف هو التفكير بالأحداث والشخوص ؟ وعليه ، لابد ان ينتبه القارئ متسائلا : لماذا يتم التركيز فعلا على شخصيات معينة دون اخرى ؟ وكيف تقرأ المواقف دون اخرى ؟ بل كيف تزيّف الخطابات والرسائل في تفاسيرها ؟ وكيف يقرأ البريطانيون الأمزجة ويهتمون بانطباعات هذا او ذاك كونها تعكس ما يفكر فيه الاخر ؟ ناهيكم عن تفسير العلاقات العراقية مع دول اخرى سواء كانت دول حلف بغداد ام دول الاقليم وخصوصا الدول العربية ؟
لقد آليت ان اوضح بعض الاسس ، واقدم بعض التحليلات التي اجدها ضرورية فكريا وتاريخيا حول ما تضمنّه هذا ” الكتاب ” ، والنصوص التي احتواها من أهمية بالغة من عدة نواح .. ذلك ان الوثيقة – باختصار: كل شيء مكتوب او مطبوع ، وعليه ختم رسمي ، وصادر عن جهة رسميّة ، سواء كانت دبلوماسية أم بوليسية ام امنية ام قضائية أم عن اية سلطة مؤسسية حكومية او شبه حكومية لأي دولة من الدول (4). وتعد الوثائق الدبلوماسية من أخطر تلك ” الوثائق ” في التاريخ السياسي وفهم العلاقات بين الدول كونها تتضمن معلومات سرية او علنية بالغة الدقة ومنقولة بأمانة من طرف الى آخر ، وخصوصا ما يتعلق بالعلاقات بين الدول والشؤون السياسية الخارجية والداخلية لأي منها (5).. ناهيكم عن كل ما تحتويه من معلومات سريّة دقيقة تعبر عنها مواقف وقرارات وانفعالات وآراء واسرار لم يعرفها أحد من الناس حتى يومنا هذا ، اذ انها لم تعرض تفاصيلها لا في بيانات ، ولا في خطابات ، ولا في صحف او مجلات .
ولما كان للبريطانيين ادوارهم الاساسيّة المؤثرة والقويّة في منطقتنا العربيّة على امتداد القرن العشرين ، فان وثائقهم اليوم تحتوي على قدر كبير جدا من المعلومات الاساسيّة التي يحتاجها المؤرّخون العرب ، وبل ويحتاجها المختصّون والباحثون والمثقفون العرب اينما كانوا اليوم ومستقبلا . ان البعض قد يشكّك في قيمة تلك ” الوثائق ” ، بل ويستخف بشأنها كونها تمثّل اصحابها وآرائهم ومواقفهم في شؤوننا العربية الخارجية والداخلية ، ولكن الامر ليس كذلك ابدا ، ذلك أن مجموعة هائلة من تلك ” الوثائق ” هي رسائل خاصة ، وشفرات دبلوماسية ومخابراتية تنقل من خلالها معلومات دقيقة في اي شأن من شؤوننا ، وان من قام بكتابتها له حرفيته وامانته في نقل ما يحدث بكل دقة ومصداقية ليس في تسجيله لها ، بل في نقله للمعلومات التي يشهدها او يسمعها ، مرسلا اياها الى رؤسائه والمسؤولين في الدوائر الخارجية والخاصة لدولته .
والحقيقة ان التاريخ الجديد لا يمكن كتابته من دون الوثيقة التاريخية ، فلقد كتب المؤرخ الفرنسي جاك لوغوف في مقالته عن ” التاريخ الجديد ” قائلا : ” لقد وسع التاريخ الجديد افق الوثيقة التاريخية .. فهو تاريخ يعتمد على وثائق عديدة ومتنوعة .. ان التاريخ يعيش اليوم ” ثورة وثائقية ” تربطها بـ التاريخ الجديد علاقة غامضة .. ، يجب ان يكون هناك تصور جديد للوثيقة ونقدها ، وقد بدأت ترتسم خطوطه العريضة .. ” (6) .
لعل هذا ” الكتاب ” الذي يضمّ مجموعة من الوثائق البريطانية ، يعدّ مصدرا اساسيا لتاريخ العراق المعاصر ابان تلك المرحلة الخطيرة ( = ستة اشهر ) التي مرتّ بالعراق ، وشكّلت مجمل الاحداث الصغرى والكبرى منعطفا مهمّا في تحولاته التاريخيّة عند منتصف مائة سنة ، اذ تحوّل العراق الملكي الى النظام الجمهوري .. واذا كان التغيير التاريخي ذاك ، قد نقل العراق من احوال الى احوال اخرى ، فان هذه ” الوثائق ” تلقي مزيدا من الاضواء الكاشفة عن احداث مهمّة جدا ليس بالنسبة للعراق ، بل لكلّ المنطقة العربية اولا والشرق الاوسط ثانيا .
ان العرب في منطقتنا بحاجة ماسة الى ان يدركوا اسرار تلك الاحداث لإزالة سوء الفهم في التقييم التاريخي لتلك المراحل الخطيرة في القرن العشرين . ولم يزل العراقيون انفسهم ينقسمون في تصنيف الحدث وتقويمه ، فان مغزى ذاك التغيير لم يتم الكشف عنه حتى الان ، ولم تزل طبيعة التغيير الدموي الذي حدث يومي 14 – 15 تموز / يوليو 1958 في بغداد ، غير مكتشفة حتى الان ، ليس فقط في نتائجها التي عشناها في النصف الثاني من القرن العشرين وحتى العام 2003 ، ولكن في اسبابها وعواملها المباشرة وعللها غير المباشرة .. ويساهم مضمون هذا ” الكتاب ” في كشف بعض المعلومات المهمة ، واماطة اللثام عن جزء مهم من تاريخ مثقل بالوقائع والحراك السياسي والاقليمي والعربي ، وهي حقائق لا يمكن نكرانها ، بحكم ضمان وثيقتها ، وكونها مكاتبات رسمية دبلوماسية لاهم دولة استعمارية كانت لها ارتباطاتها التاريخية بالعراق الملكي ، وهي بريطانيا .. فليس من المعقول ، ان ننكر على تلك ” المضامين ” اهمية محتوياتها ، خصوصا وان ” المعلومات ” قد تمّت بين السفارة البريطانية ببغداد ووزارة الخارجية البريطانية في لندن والتي كانت تصلها الوقائع والتقييمات ساعة بساعة .. ثمة مشكلة اساسية تتضمنها تلك الوثائق ان ما يرد فيها ربما لا يمثل الحقيقة التي ينتظرها البعض ، كون ما ارسل هو مجرد دعايات مضادة واشاعات مغرضة واكاذيب .. لا صحة لها ابدا ، سواء كانت عفوية ام مقصودة ، ولكنها ترسل جميعا بصوابها ام اخطائها ، وقد تصحح لاحقا ، او لا تصحح ابدا ، فلا يمكن اعتبار تلك المضامين حقيقية ابدا ، ولابد من اخضاعها للنقد الباطني السلبي والايجابي من قبل أي مؤرخ حصيف محترف ، او اي قارئ ذكي .
3/ مشكلاتنا مع بعض الكتّاب
تعترض كتابة تاريخنا العربي المعاصر ، مشاكل جوهرية أساسية مع التوثيق ، فلقد عشنا زمنا طويلا على واجهة الاحداث الصعبة من دون التوغل في المضامين والتفاصيل ، او قراءة بواطنها وما وراء النصوص والتعابير ، او حتى ما وراء الاستار ، وان بواطنها لا يمكن استكشافها ابدا الا من خلال الوثائق الرسمية . ان الوثائق الرسمية تعّبر تعبيرا صريحا الى حد كبير عن مواقف حكومات وزعماء ورأي عام واحزاب وتيارات وتشريعات .. الخ من هنا نعلم ان توظيف الوثائق السياسية ( الدبلوماسية خصوصا ) تؤمن للمؤرخ – بشكل خاص – تاريخا فيه نسبة عالية من الصراحة والكشوفات ، ولما يكمن وراء الاكمة من اسرار ، بعيدا عن المفاهيم الرائجة والسائدة والمتداولة منذ اكثر من نصف قرن ، وبعيدا عن تلك الكتابات السياسية والصحفية والشخصية والاستعراضية والنقلية .. وبعيدا عن استعراض العضلات الذاتية التي تزدحم بها كتب المذكرات والذكريات والسير الشخصية والبايوغرافيات التمجيدية .. وبعيدا عن الكتابات التاريخية العادية التي راجت ولم تزل في حياتنا الثقافية والفكرية العربية والتي كتبها صحفيون وادباء ومثقفون وكّتاب سياسيون غير مختصين ولا علاقة لهم بكتابة التاريخ ابدا ، ولا بالمنهج النقدي مطلقا ، بل وروّج البعض منهم اعتماده في كتاباته على ” وثائق ” ! وما هي كذلك ابدا .. وبعيدا أيضا عن الشعارات السياسية ، او البيانات الحزبية والعسكرية ، او المواقف العاطفية التي راجت في اوساط الناس واعتبرت مضامينها ” حقائق ” ، وما هي كذلك ابدا ويا للأسف الشديد ! اذ تتوّضح للمؤرخ الجاد درجة اكاذيبها وزيفها بعد اخضاعها للنقد والمعالجة والمقارنة مع المصادر .. ان نوضّح ايضا بعض الاخطاء المتعمدة التي يمارسها بعض المؤرخين الغربيين في كتاباتهم لتاريخ الشرق الاوسط ، وخصوصا تاريخ العراق المعاصر (7) ، او الانطلاق من زوايا نظر مختلفة واتجاهات معينة . ان تاريخ العراق المعاصر يتصف بثقله من الاحداث والوقائع والشخوص والحركات والتناقضات التي قد لا يفهمها بعض المؤرخين الغربيين ، فتكون احكامهم خاطئة في كثير من الاحيان (8).
من هنا نجد ان ما تكشفه الدوائر الرسمية في اية دولة من الدول من وثائق وبعد مرور جيل كامل او اكثر ، يصّوب الى حد كبير المفاهيم الخاطئة ، ويقدّم مادة تدحض ما ساد من “مواقف” و ” آراء ” استندت الى اكاذيب وشعارات واهية ، ويكمل ما نقص من معلومات مبتورة ، او غير معروفة حتى اليوم ، فضلا عن تقويم ما كان قد سجّل هنا او هناك من افكار متداولة ، او ما كان قد أشيع ليس بين الناس حسب ، بل حتى عند المؤرخين انفسهم ! يقول المؤرخ كريستوف بوميان في كتابه الممتاز ” نظام الزمان ” : ” التاريخ المعاصر قابل لأن يراقبه ببساطة اولئك الذين عايشوا الاحداث التي يتحدث عنها ] المؤرخ [ ، اذ يكفيهم أن يقارنوها بالذكريات المخزونة التي احتفظوا بها اعواما طوالا .. ” (9).
ان الكشف الواضح عن ” مواقف ” و” وثائق ” و :” اسرار ” يتضمّنها هذا ” الكتاب ” هي بيانات ورسائل متبادلة خلال فترة ستة اشهر فقط من العام 1958 ( بين شهر يناير / كانون الثاني وبين بدايات شهر تموز / يوليو ) ، وهي تجيب عن اسئلة لا حصر لها ، سألها الناس علنا ام سرّا لأكثر من خمسين سنة ، بل وانها قد تبدّل قناعات جيل جديد لما كان تعتقد به الاجيال السابقة ، بل ويتفق ذلك مع ما قاله لوسيان فافر ، بأن ثمة صناعة تاريخية جديدة ، تمكننا تماما من الاطمئنان على مقاربات ومعلومات هي اقرب الى الحقيقة في ظل مشاعر نفسية مختلفة عن مشاعر التردد في عالم لم يكن له استقراره الفكري ، فأصبحت مشاعر مطمئنة تنبعث عن استقرار فكري (10) .
4/ الاسس التاريخية
ان المواد التاريخية التي تتضمنّها وثائق ستة اشهر اولى من عام 1958 في هذا الكتاب ، قد اوضحت بما لا يقبل مجالا للشك ان جملة من الحقائق والمعلومات المؤكدة عن الاوضاع التي عاشها العراق والمنطقة العربية ، وانها ستغّير ليس قناعات البعض ، بل ستعمل على اغناء التفكير الجمعي بالمزيد من المعلومات التاريخية من خلال المقارنة بين الفروقات ، كما ستعمل على تغيير الاحكام المسبقة التي اعتبرت اسسا في بناء المنطلقات ، خصوصا اذا اعتبرت الوثائق مصدرا اساسيا وتاريخيا في قراءة تكوين العرب المعاصر او كتابته التاريخية ، وستوضح للأجيال القادمة حقائق مخفية او اسرار مستورة.
ان الفترة التاريخية (= ستة اشهر ) التي تستوعبها مادة الكتاب ومضمونه ، هي قصيرة جدا كما يتبيّن واضحا ، ولكنها بنفس الوقت ، تشكّل لحظة تاريخية اساسية ومفصلية في تحولاّت تاريخنا العربي المعاصر في القرن العشرين ، ففي اثناء تلك المرحلة الزمنية من العام 1958 ، تداخلت العناصر السياسية المتباينة ، وتفاقمت حدة الصراعات العربية الباردة حتى اسميت من قبل بعض المراقبين الغربيين بـ ” الحرب العربية الباردة ” (11) ! فضلا عن ولادة عوامل محلية جراء تبلور حدة الصراع الدولي بين المعسكرين الغربي والشرقي والتي اسميت بـ ” الحرب الباردة ” ، اي ان المواقف الداخلية والعربية كانت قد تشابكت بشكل قوي جدا مع تلك العوامل الخارجية بشكل صارخ .
لقد القت تداعيات تلك الظروف الصعبة تأثيراتها البالغة على المنطقة العربية دولا ومجتمعات بحيث بدأت بعض الانظمة العربية لا تعرف طريقها وسط تلك الدوامة ، ومما زاد في تخندق الانظمة السياسية العربية عدم فهم بعض الساسة والقادة العرب ما الاساليب التي يمكنهم من خلالها معالجة الاوضاع ، ومنهم من بقي متشبثا بأساليبه القديمة التي كان يناوؤها آخرون باتباعهم اساليب ثورية وايديولوجية جديدة سواء كانت يسارية او قومية .. ويبدو واضحا كم كان العجز يرافق السياسات العربية باتباع سياسات المحاور او التصفيق للاستقطاب ، او اعادة فهم المصالح الدولية على ضوء المتغيرات التي حدثت منذ بداية عقد الخمسينيات والتي وصلت الى ذروتها عام 1956 (12) ، وتسارع وتيرة التباعد على اشدها بين الانظمة السياسية ( الرجعية ) القديمة والانظمة السياسية ( الثورية ) الجديدة ، وكان ان تداعت تلك الانقسامات بشدة على مجتمعاتنا العربية ايضا ، وصنعت تناقضات لا تعد ولا تحصى .
لقد كان لبريطانيا تأثير قوي في صنع الاحداث التاريخية في تلك المرحلة التاريخية الصعبة ، بل وتعتبر قوة رئيسية بنفوذها وادوارها التي لا تستقيم ابدا والدور العربي المنقسم على نفسه الى عدة اقسام ، كل قسم يمشي بطريقة اخرى وفي اتجاه مختلف . وكان العراق اهم بلد عربي سيقع عليه ثقل تاريخي عندما اختار ان يكون قلبا سياسيا نابضا بالحياة لمحور اسمي بـ ” ميثاق بغداد ” وذاع اسمه دعائيا باسم ” حلف بغداد ” (13) ازاء قلب آخر ينبض بالحياة تمثله مصر ابان عهد الرئيس جمال عبد الناصر الذي استقطب الشارع العربي . وعليه ، فان الضربة المتوقعة ستكون على بغداد بكل الحسابات دون الانظمة السياسية العربية الاخرى ، اذ بدأ العراق بمعاهدة بينه وبين تركيا اسميت بـ ” ميثاق ” ، ثم انضمت اليه كل من بريطانيا وايران والباكستان ، ومن ثم دخلته الولايات المتحدة الاميركية . واذا كان العراق قد وصل الى ان يلعب مثل هذا ” الدور ” ، فان العرب وجدوا في ذلك خرقا ليس لمواثيقهم ، بل امعانا بالضد من عواطفهم وقيمهم ومبادئهم ، وخصوصا الوطنية والقومية والتي استقطبتها مصر على عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر – كما قلنا – .. في حين صمتت انظمة سياسية عربية اخرى ، او انها بقيت تتخندق لكي تحمي ذاتها وكيانها السياسي في غمرة ذلك الصراع المحتدم .

ثانيا : ماهية الاتحاد العربي ( =الهاشمي)
1/ العائلة الهاشمية والاتحاد الهاشمي
لقد اعلن الاتحاد العربي ( الهاشمي ) في يوم 1/2/ 1958 بين الدولتين العربيتين المرتبطتين بعائلة مالكة واحدة هي ” العائلة الهاشمية ” ، وهما العراق والاردن ، اذ كان يحكمهما فيصل الثاني والحسين بن طلال من جدهما الاكبر الشريف الحسين بن علي .. وهو اتحاد غير اندماجي ، وجاء الاعلان عنه رسمياً في 14 فبراير/شباط 1958 بين المملكتين العراقية والأردنية الهاشمية. وجاءت هذه ” الخطوة ” الاتحادية ردا مباشرا على خطوة الوحدة السورية المصرية على يد جمال عبد الناصر ، واصبحت قضايا العلاقات الخارجية والدفاع والسياسة الجمركية والتعليم من صلاحيات الحكومة الاتحادية المشتركة بين العراق والاردن . وفي شهر آذار / مارس 1958 اقّر دستور الاتحاد ، وأنشئ برلمان اتحادي ، ثم اندمج الجيشان العراقي والاردني . ثم اعلن في أيار / مايو 1958 عن تأليف حكومة اتحادية ، وجاء نص دستور الاتحاد على : أن الاتحاد يتكون من “المملكة العراقية والمملكة الأردنية الهاشمية وعضويته مفتوحة لكل دولة عربية ترغب في الانضمام إليه بالاتفاق مع حكومة الاتحاد”، وعلى احتفاظ “كل دولة من أعضاء الإتحاد بشخصيتها الدولية المستقلة وبنظام الحكم القائم فيها”. كما نص الدستور كذلك على أن ملك العراق هو رئيس الاتحاد وأن مقر حكومة الاتحاد يكون بصفة دورية ستة أشهر في بغداد وستة أشهر في عمّان. وفي 17 شباط/فبراير تمت المصادقة على الاتفاقية من قبل مجلسي الأعيان والنواب العراقيين. ولقد جرت مراسم توقيع بروتكول الاتحاد العربي الهاشمي بين الملكين فيصل الثاني والحسين بن طلال في 19 مايو/أيار 1958، وشكلت أول حكومة للاتحاد وكانت تركيبتها كما يلي:
نوري السعيد رئيساً للوزراء، وإبراهيم هاشم ـنائباً لرئيس الوزراء ، وتوفيق السويدي وزيراً للخارجية ، وخلوصي الخيري وزير دولة للشؤون الخارجية ، وسليمان طوقان وزيراً للدفاع ، وسامي فتاح وزير دولة لشؤون الدفاع ، وعبد الكريم الأزري وزيراً للمالية. وقد قوبل مشروع انشاء الاتحاد بردود فعل غير مستحبة من قبل البريطانيين والامريكيين .. مع استياء عربي واضح مقارنة بحالة الاستقبال الطاغية التي لقيها مشروع عبد الناصر في الوحدة العربية بين مصر وسوريا .
2/ البنية التاريخية الهشة
يبدو واضحا من خلال دراسة وثائق ” الكتاب” ان الاتحاد العربي (الهاشمي) الذي جمع المملكتين الهاشميتين العراقية والاردنية ، كان بنية هشة تماما ، وان اللحظة التاريخية التي جمعتهما كانت وليدة ظروف صعبة حتمت عليهما الاتحاد بين العراق والاردن في مواجهة الوحدة المصرية السورية ، علما بأن الوثائق تشير الى ان فكرة الاتحاد بين المملكتين قد ولدت قبل مشروع وحدة الجمهورية العربية المتحدة . ان اختلافا كبيرا يفصل الاسرتين الحاكمتين في العراق والاردن بالرغم من انتمائهما الى سلالة واحدة ، وان الاختلاف كان مزروعا بين القصرين ، بل بين العرشين منذ عهدي الملكين فيصل الاول 1921 – 1933 في العراق وبين اخيه عبد الله 1921 – 1950 في الاردن ، وبقيت تسود بين العائلتين نظرة فوقية استعلائية للبيت العراقي الحاكم ازاء البيت الاردني الحاكم ، ( ليس للملك الشاب فيصل الثاني بل لخاله وولي عهده الامير عبد الاله ) ولم نجد اي مقاربة عاطفية ، ولا اي نسابة عائلية ، ولا اي زيجة سياسية ! اما على المستوى النخبوي السياسي ، فلم نجد اية علاقات سياسية قوية تجمع الساسة العراقيين الكبار بالأردنيين على امتداد الحكم الملكي في العراق مقارنة بعلاقاتهم السياسية مع الساسة السوريين واللبنانيين والفلسطينيين اولا او مع المصريين ثانيا .. كما لم نجد اية ادوار لنخبة اردنية في العراق مقارنة لما كانت عليه ادوار كل من السوريين واللبنانيين والفلسطينيين والمصريين في بغداد والموصل !
اذا كان الاتحاد الهاشمي قد عبّر عن ضرورة ملحة مرحلية بالاتفاق على الصيغة التي ظهر بها ، فان الاردن لم يقبل الانضمام الى حلف بغداد من طرف ، كما ان العراقيين وعلى رأسهم نوري السعيد المح للبريطانيين ان العراق لا يمكنه ان يتحمل او تتحمل موارده ثقل الصرف على دولتين متحالفتين في اتحاد هاشمي ، ولابد من انضمام الكويت له كي تساعد في الانفاقات – كما اصّر على ذلك – ..
وهذا يعني واضحا ان نوري السعيد كان مجبرا على صناعة هذا الاتحاد ، بل انني اعتقد اعتقادا راسخا انه لم يكن مقتنعا به ابدا ، فهو الذي شهدنا مشاريعه العربية ، اذ كان يطرح استراتيجيات تاريخية اكبر من هذه الصناعة ، سواء طرحه مشروع الهلال الخصيب ، او مشروع كونفدرالي عربي نجح بعد مفاوضات صعبة ، ولكن بصيغة مختلفة ولكن باسم ” جامعة الدول العربية ” بناء على اصرار المصريين .. كما اننا نتأمل طويلا في طريقة المباحثات واساليب العلاقات التي كان عليها القادة والساسة العراقيون ازاء الاردنيين ، وان خلافات واسعة تفصل الاثنين بعضهما عن الاخر . ومهما كان الامر ، فإنني اعتقد ان الاتحاد الهاشمي كان رد فعل سياسي عربي ازاء الوحدة المصرية السورية التي انجزها الرئيس جمال عبد الناصر باتفاقه مع السوريين وكان على رأسهم شكري القوتلي . تخبرنا الوثائق البريطانية ان الاتحاد الهاشمي قد ولدت فكرته قبل اعلان الجمهورية العربية المتحدة ، ويبدو ان فكرته قد تبلورت من خلال الاتصالات القوية بين مصر وسوريا والتي كانت عليها تعيش ضمن سلسلة مباحثات تكللت بالوحدة .
كان اعلان الاتحاد الهاشمي مفاجأة غير متوقعة للشعبين العراقي والاردني ، اذ لم نجد على امتداد سنوات خلت ، اي طرح من هذا النوع ابدا ، ولم نلتقط اية اشارات من كلا الجانبين للاتفاق على مثل هذا الهدف . فجأة يعلن هكذا اعلان لكي تنبثق عنه مؤسسة ووزارة ومشروع سياسي وقانوني ودستور مشترك لدولة الاتحاد .. واذا كان هذا وضع الدولتين رسميا ، فلم نشهد اي طرح من هذا النوع حزبيا سياسيا او دعائيا اعلاميا ، بل ولم نجد اية قوى اجتماعية او نقابية او شبه رسمية او شعبية كانت قد طالبت بذلك ، بل وحتى بعد صدور اعلان الاتحاد شهدنا – كما توضح لنا الوثائق – برود شعبي في تلقي الحدث ازاء ما كان مشروع الوحدة بين سوريا ومصر يصادف من قبول شعبي هادر منقطع النظير ولا يمكن تخيله ابدا .
ان فرصة الاردنيين في تأييد مشروع الاتحاد تبدو اقوى من رد فعل العراقيين ، فالاردنيون كانوا وما زالوا يجدون في العراق عمقا استراتيجيا لهم ، ومنجما بتروليا هائلا ، ساعدهم كثيرا في التغلب على ازماتهم الاقتصادية التي مروا بها ، بل وان ذاكرتهم الشعبية ( وبمعيتهم الفلسطينيون ) تحفظ للعراقيين بأدوارهم العربية القوية .. ولكن رأي النخبة القومية واليسارية كان يختلف تماما في الرؤية والموقف من هذا الاتحاد ، خصوصا اذا علمنا بأن الذاكرة الشعبية معبئة تعبئة كاملة ضد كل من النظامين الهاشميين ، اذ بقي كل منهما متهم بعلاقاته مع المستعمرين البريطانيين . باختصار ، لم يشهد المؤرخ اي قوى سلطوية او سياسية او اجتماعية تدفع باتجاه هذا الاتحاد الهاشمي ابدا ، فكان ان سجل نهايته المحتومة فجر يوم 14 تموز / يوليو 1958 ، وانتهى بزوال الحكم الهاشمي في العراق.
كان الاتحاد الهاشمي قد ولد ولادة غير شرعية ومات ميتة غير شرعية .. واعتقد ان البريطانيين الذين باركوا صناعته ، او انهم كانوا وراء تلك الصناعة ، عدّوا اول من حفر قبرا لمثل ذلك الاتحاد الذي سعى من اجله البعض من الساسة العراقيين سعيا محموما في لحظة تاريخية معينة حرجة ازاء الوحدة المصرية السورية ، وهم غير مقتنعين به ، واذا كان الاردنيون قد وافقوا عليه ، فان الشعب الاردني ، كما هو الحال بالنسبة للعراقيين لم يكونوا بمستبشرين ازاء هذا المشروع بالرغم من عواطفهم القوية ازاء العراق والعراقيين ، ذلك ان عصف الوحدة السورية المصرية كان مخيفا للجميع ، ولكن بدا لي ان ذلك العصف كان يخيف العراقيين اكثر بكثير مما اخاف الاردنيين (14) . كان العجوز نوري السعيد يدير سياسة العراق بنفسه مع طاقم من الجيل القديم ، ولم يكن الملك فيصل الثاني الا مستمعا وموافقا على السياسات التي يرسمها الكبار .
3/ الاتحاد العربي الهاشمي ازاء فلسطين
يشكّل الموضوع الفلسطيني مادة اساسية في اجندة تاريخ العرب المعاصر باعتبار القضية الفلسطينية مركزية واساسية بالنسبة لكل العرب طال الزمن ام قصر ، فأين فلسطين من مبادئ الاتحاد الهاشمي وفلسفته واهدافه وحياته التي لم تمتد طويلا ؟ لقد تشكّل الاتحاد ولم يكن قد مضى على النكبة وضياع فلسطين واستلاب ارضها وتشرد شعبها الا عقدا زمنيا واحدا ، وكانت قضيتها العادلة تشغل التفكير والهم العربيين ، بل وكل العواطف الساخنة التي كانت قد شهدت ذلك الضياع على مرأى ومسمع الجميع في العالم . كانت الضفة الغربية قد ادمجت بإمارة شرق الاردن بعد قبول الامير عبد الله الاول بالتقسيم عام 1948 ، وولدت المملكة الاردنية الهاشمية باعتلائه عرشها وقد اصبح ملكا ، ولكن ما لبث ان سقط قتيلا عند بوابة المسجد الاقصى عام 1950 على مشهد حفيده الامير حسين ( الملك لاحقا ) الذي كان يرافقه ، وهو الذي اعتلى العرش عام 1953 ، اي ان الحدث قد غرس في ذاكرته الفتية غرسا عميقا ، وانه ادرك اسباب ما حدث ادراكا حقيقيا ، خصوصا وانه كان يتمتع بذكاء معروف .
وعليه ، فان القضية الفلسطينية تعد معيارا اساسيا في تفكير المملكة الاردنية الهاشمية سواء على مستوى المؤسسات ام على مستوى الشارع .. وبدا واضحا من سلسلة تطور الاحداث القومية ان الشعب في الاردن سواء كان اردنيا ام فلسطينيا (بجواز سفر اردني ) بدا متلهفا لمشروع الرئيس جمال عبد الناصر ، وخصوصا الجيل الجديد الذي تغيرت افكاره ، وبدا يختلف تماما في توجهاته ومواقفه وشعاراته عن الجيل القديم الذي كان يؤيد الهاشميين سواء كان ابناء ذلك الجيل من الاردنيين او من الفلسطينيين .. في حين بدا الشارع في دواخل مدن الاردن والضفة الغربية من فلسطين يؤيد بحماس منقطع النظير الانضمام الى كيان الجمهورية العربية المتحدة تحت راية الرئيس جمال عبد الناصر الذي شدّت خطبه الجماهير ، وسحرتهم مواقفه الثورية ، وانجذبت اليه سياسته القومية ، خصوصا وانه كان يتمتع بكاريزما زعيم حقيقي ، وكما قال لي المؤرخ الراحل نقولا زيادة يوما بأن الفلسطينيين خصوصا واهل بلاد الشام عموما كانوا قد منحوا حبهم للملك غازي ملك العراق كونه حمل مشروعا قوميا عاطفيا في ثلاثينيات القرن العشرين ، ولما قتل غازي عام 1936 في حادث غامض حتى اليوم ، فقد كان ” المشروع ” مؤجلا حتى حمله ثانية جمال عبد الناصر ليستقطب عاطفيا محبة كل الفلسطينيين والشوام والعرب (15).
هذه المعادلة كان يدركها الملك حسين بالتأكيد عندما كان يوقّع على مشروع الاتحاد العربي الهاشمي ، ولكنه كما يبدو واضحا لكل متابع او مؤرخ ، ان الملك حسين كان يعتقد بأنه ملزم ان يمسك العصا من الوسط ، ولا يمكنه ان يبقى وحيدا في الساحة العربية التي كانت تعج بالصراعات اولا، ولأنه لا يمكن قبوله ابدا ومن رابع المستحيلات في مشروع الوحدة العربية التي يقودها عبد الناصر ثانيا .. فما عليه الا قبول الانضمام لتشكيل الاتحاد الهاشمي والرضوخ للإرادة العراقية ثالثا .. ولكن بدا واضحا اعتقاده انه في الوسط دوما ، فهو قابل بمشروع الاتحاد مع العراقيين الذين لم يدخل معهم حلف بغداد من طرف ، ولكنه لا يمكن ان يخطو خطوة واحدة من دون استشارة البريطانيين من طرف آخر .. كان الهاشميون ومناصروهم يعتقدون انهم في مقدمة من وقف مع الفلسطينيين وان مشروع دمج الضفة الغربية وتشكيل مملكتهم في الاردن هو خدمة للقضية الفلسطينية في حين ان اغلب الفلسطينيين لا يرون في الهاشميين الا وبالا عليهم وعلى قضيتهم بدءا بالآباء وانتهاء بالأحفاد ، فهناك فلسطينيون ايدوا الهاشميين منذ البداية ، وشاركوهم في سياساتهم ، بل وقدموا خدماتهم التي لا تعد ولا تحصى لهم ، فمثلا قضى عوني عبد الهادي نهاية خدمته وزير للخارجية الاردنية مع نهاية عام 1956 ، ولكنه عّين بإرادة ملكية سامية في مجلس الاتحاد العربي في 22 أيار/ مايو 1958 (16) وكان عدد كبير من الفلسطينيين قد اشترك ليس في الدولة الاردنية ، بل في صناعة سياساتها الداخلية والاقليمية والدولية .
4/ الاسئلة التاريخية
الاسئلة الان : هل هناك ثمة معلومات تاريخية جديدة بصدد فلسطين وقضيتها المركزية في مضامين هذه الوثائق ؟ وما الذي تضمنه الاتفاق بين المملكتين بصدد تلك القضية الكبيرة ؟ وما رؤية الاتحاد العربي الهاشمي بطرفيه الهاشميين من مستقبل العلاقة بالفلسطينيين ؟ وما موقفه من اسرائيل ؟ وما موقفه في حال نشوب حرب كون العراق اصبح دولة مواجهة ازاء اسرائيل باتحاده مع الاردن ؟ وما موقفه من الفلسطينيين حاملي الجواز الاردني ؟ اما بالنسبة لاسرائيل ، فتخبرنا الوثائق ان السير راندل نقل رأي الحكومة البريطانية إلى وزيرة خارجية إسرائيل غولدا مائير وطمأنها بان الاتحاد العراقي – الأردني لن يضر بمصلحة و أمن الكيان الصهـيوني( إسرائيل). ولكن مائير طالبت بتطمينات رسمية ، وقد نقل السير راندل توقعاته حول احتمالات الموقف الصهيوني ( الإسرائيلي) من الاتحاد. وكان السفير مايكل رايت قد طلب إبلاغ السفير راندل في تل أبيب لأعلام القادة الإسرائيليين، بان العراق يرغب بفترة سلام وهدوء ، ولا توجد حملة دعائية عراقية ضد إسرائيل لمناسبة قيام الاتحاد مع الأردن. ولكن يبدو ان اسرائيل بقيت متخوفة من الحدث ، اذ بدأ السير راندل يشرح كيف يراقب الإسرائيليون تطور الأوضاع المحيطة بهم ومخاوفهم من وجود العراق خلف الأردن ويطالب حكومته بالتدخل في بغداد وعمان لا بقاء الحدود هادئة مع اسرائيل .
ثالثا : الباشا نوري السعيد
1/ الشخصية التاريخية الاولى
قال نوري السعيد في يوم من الايام : ” إذا عطس العراق أصيب العرب بزكام ” !! وتتضمن هذه العبارة جملة مهمة من المعاني والدلالات التي كان قائلها قد خبرها بنفسه على امتداد اكثر من خمسين سنة من القرن العشرين .. يعد نوري باشا هذا الرجل البغدادي اهم شخصية تاريخية عراقية جدلية واشكالية في حياة العراق ابان القرن العشرين ، ولعله الوحيد الذي يرد اسمه كثيرا ليس في كتب التاريخ والسياسة ، بل في كلّ الوثائق السياسية والدبلوماسية العراقية والعربية والاجنبية ، وهو الزعيم العربي الوحيد الذي ازدحمت الآراء عنه ، وكثرت الاقاويل والاتهامات ضده ، ولم يزل يشغل اسمه التفكير ما بين المعجبين به زعيما عراقيا خدم العراق وما بين خصومه الالداء من اليساريين الذين يعتبرونه عميلا رقم واحد للاستعمار البريطاني ! لقد بقي نوري السعيد يحّرك تفكير اغلب المؤرخين والسياسيين ليس العراقيين حسب ، بل العرب والعالم ايضا ، اذ شغل تاريخ العراق الملكي كله 1921 – 1958 وكان له تاريخه العسكري من قبل ضابطا عثمانيا ، ثم التحق بثورة الشريف حسين وغدا رئيسا لأركان جيش الامير فيصل عام 1916 ، وغدا من اقرب المقربين لفيصل الاول واعتبر امتدادا لمدرسته في السياسة الخارجية ، وتطورت علاقاته مع البريطانيين مذ قابلته المس غروترود بل وكتبت عنه انطباعاتها وقالت اما بكسبه ليكون صديقا او رفضه ليغدو عدوا ! فكانت له علاقات قوية بالإنكليز الذين وجدهم الاقوى في التعامل بعد ان كان وراء توقيع معاهدة 1930 معهم واعتبر العراق مستقلا واول المؤسسين لعصبة الامم ، ولكن بقي نوري مؤمنا بدور الانكليز في العالم مطمئنا الى سياساتهم في العراق اثر الحرب العالمية الثانية ، وخصوصا من الناحية التنموية لاحقا ، وجاعلا من نفسه ندا يناقشهم ويحاورهم ويقترح عليهم ، لا عميلا يتسلم الاوامر منهم . كان نوري من اوائل من اهتم بالقضية العربية وقدّم مشروعات عدة بصدد توحيد العرب كما يعد اقوى شخصية سياسية عراقية شغلت عددا من المناصب القيادية والوزارية . كان من اهم مشروعاته القومية مشروع الهلال الخصيب بين العراق وبلاد الشام كلها ، ولكنه فشل عربيا ، وان مشروعه في الكونفدرالية العربية ، قد نجح – كما قلنا – ، ولكن زعماء مصر وقت ذاك اصروا على تسميته بـ ” جامعة الدول العربية ” بمباركة البريطانيين .. ثم كان وراء تأسيس ميثاق بغداد بين العراق وتركيا ، والذي اسمي فيما بعد بـ حلف بغداد ليدخل فيه ايران والباكستان وبريطانيا ومن ثمّ الولايات المتحدة الاميركية ، وكان اقوى مشروع استراتيجي حورب عربيا ، اذ عدّ مشروعا استعماريا يقف ضد طموحات الامة العربية واهدافها ، وكان نوري السعيد يرى العكس فالحلف سيربط العرب بأقوى جارين اثنين هما تركيا وايران وسيؤمن على مستقبل العراق وقوته الداخلية ، وسيوثق علاقة العرب بالعالم الاسلامي والعالم الغربي معا .. كتب المؤرخ مجيد خدوري عن نوري السعيد انه كان زعيما واقعيا لا يؤمن بالخيالات والاوهام ولم يختلق ضجيجا حول شخصه وزعامته (17) ، ومن المؤكد انه يقصد بذلك الرئيس جمال عبد الناصر .
كان نوري يرى نفسه انه وراء صنع العراق الحديث ، وان مصير العراق نهضويا مع الغرب وليس مع الشرق .. وكان وراء تأسيس مجلس الاعمار العراقي الذي كانت خططه متقدمة جدا من اجل اجراء تحولات واسعة في البنية التحتية للعراق بتوظيف واردات النفط توظيفا حقيقيا من اجل تطور البلاد وترقيتها من خلال مشروعات استراتيجية تخص الري والسدود والصناعة والزراعة وتطوير المدن والخدمات والتعليم والصحة والبناء ، ولكن الشعب لم يتلمس اية عائدات سريعة مؤثرة على حياته المعيشية والتنموية ..
ويجمع كل الدارسين والمؤرخين الذين درسوا مشروع مجلس الاعمار في العراق الذي بني في الخمسينيات بأنه كان واحدا من اعظم مشروعات التنمية للدول المتخلفة في العالم النامي ، ولكنه مشروع انتهى مع صاحبه ، بعد ان هوجم المشروع طويلا من قبل العراقيين والعرب .. ان نوري السعيد وجد في الخمسينيات نفسه الاب العجوز المصر على ادارة شؤون البيت ، بل والبقاء سيدا له دون ان يلتفت الى ما حصل من متغيرات سياسية وفكرية وايديولوجية كانت تجتاح العالم ، ومنها العراق.. ولقد ارتكب اخطاء جسيمة بوقوفه ضد اليسار الثوري والحركات السياسية الجديدة ، وكان عدوا لدودا للشيوعيين ويتربص بهم الدوائر ، معتقلا المئات منهم .. اعتمد على الاعيان والشيوخ دون ان يلتفت الى الجيل الجديد الذي كان يعارضه بشدة وعنف .. بقي على تفكيره القديم في حين كان العالم قد تغير من حوله تغيرا كبيرا ، فضلا عن بروز ظاهرة قومية جديدة متمثلة بزعامة جمال عبد الناصر الثورية التي سحبت البساط من تحت ارجل الزعامات القديمة وفي مقدمتها زعامة نوري السعيد في العراق .
هنا في هذه الوثائق نال الباشا نوري السعيد حصة الاسد وتكاد تدور اغلب الرسائل حول القضايا التي كانت من حوله عراقيا وعربيا ودوليا ، وخصوصا تداعيات حلف بغداد ، ومسألة الاتحاد العربي الهاشمي بين العراق والاردن ، ومسألة الوحدة المصرية السورية ، والقضية الفلسطينية ، وقضية الكويت ، وصراعه السياسي والاعلامي مع الرئيس جمال عبد الناصر دعائيا في الصحف ومحطات الراديو ، فضلا عن مشكلات لبنان .. لقد بلغ الصراع السياسي بين نوري السعيد وعبد الناصر حدا كبيرا ، اذ تعلمنا الوثائق بأن السفير ينقل عن طريق وزير الخارجية التركي كيف استقبل العراق الاعتراف التركي بالجمهورية العربية المتحدة مع بيان أسباب ضغوطات نوري السعيد لعدم الاعتراف بها. ولعل اهم قضية شغلت نوري السعيد في الاشهر الستة الاخيرة من حياته هي الكويت ، كما يتبين واضحا من الوثائق ، وحجم اتصالاته من اجل ادخال الكويت عضوا في الاتحاد العربي لقاء ثمن استقلالها عن البريطانيين . ان الوثائق التي بين ايدينا توضّح بشكل لا يقبل الجدل تحوّل السياسة البريطانية ازاء نوري السعيد الذي بدا من خلال مواقفه عراقيا صلبا ومخالفا للرؤية البريطانية ، وخصوصا ازاء مسألة الكويت التي تشبث بها وهو يعلم علم اليقين انها خط احمر !

انتهت الحلقة الاولى وتليها الحلقة الثانية
هوامش الحلقة 1
(1) انظر :
Jacques Le Goff, La Nouvelle histoire ( Paris: Retz., 1978), pp. 69-70. Taken from his Critical Article “ Documento/ monument”, in Enciclopedia Einaudi ( Torino: Einaudi, 1977-1984), t. IV, 1978.
راجع : العراق في الوثائق البريطانية 1958- 1959 ( 4 اجزاء ) ، ترجمة وتعليق : خليل ابراهيم الزوبعي ، مراجعة : عبد الوهاب القصاب ، ط1 ( بغداد : بيت الحكمة ، 2000 ) .
(2) كان المؤلف قد نشر سابقا وثائق بريطانية مهمة . انظر : مؤيد ابراهيم الونداوي ، وثائق ثورة تموز عام 1958 في ملفات الحكومة البريطانية ( بغداد ] د.ن. [ ، 1990 .
(3) راجع : العراق في الوثائق البريطانية 1958- 1959 ( 4 اجزاء ) ، ترجمة وتعليق : خليل ابراهيم الزوبعي ، مراجعة : عبد الوهاب القصاب ، ط1 ( بغداد : بيت الحكمة ، 2000 ) .
(4) Martin Ballard (ed.), New Movements in the Study and Teaching of History ( London: Maurice Temple Smith, 1970), pp. 43-4, 54-7.
(5) Dominique Vallaud, Dictionnare histiorique ( Paris: Fayard, 1995), p. 553, 557.
(6) انظر : جاك لوغوف ( اشراف ) ، التاريخ الجديد ، ترجمة وتقديم : محمد الطاهر المنصوري ، مراجعة : عبد الحميد هنيّة ، ط1 ( بيروت : المنظمة العربية للترجمة ، 2007 ) ، ص 82-83 . وهي ترجمة ممتازة عن النص الفرنسي ، انظر :
Jacques Le Goff, op.cit., p. 51.
(7) For example; see, Phebe Marr, The Modern History of Iraq( Longman/ Westview 1985). Cf. Marion Farouk-Sluglett, Peter Sluglett, Iraq since 1958 : From Revolution to Dictatorship ( I. B. Tauris & Company, Limited, 2001).

(8) Cf. Hanna Batato , The Old Social Classes and the Revolutionary Movements of Iraq: A Study of Iraqi Old Landed and Commercial Classes and of its Communists, Ba thists and Free officers ( Princeton & New Jersy, l978).
(9) Krzytof Pomian, L’ Ordre du tems ( Paris: Editions Gallimard, 1984), p. 36.
(10) Lucien Febvre, Combats pour l’histoire ( Paris: Armand Colin, 1953), p. 76.
(11) See, Malcolm H. Kerr, The Arab Cold War: Gamal ‘Abd al-Nasir and His Rivals, 1958-1970 , 3ed ed. ( Oxford: Oxford University Press, 1971), pp. 21-9, 56-82.
(12) Adeed Dawisha, Arab Nationalism in the Twentieth Century: From Triumph to Despair ( Princeton: Princeton University Press 2003 ), pp. 78-91.
(13) يصّر توفيق السويدي احد اقطاب النظام الملكي القديم في العراق على ان التسمية كانت ” ميثاق بغداد ” ، وليست بـ ” حلف بغداد ” . انظر : توفيق السويدي ، مذكراتي : نصف قرن من تاريخ العراق والقضية العربية ، ط1 ( بيروت : دار الكاتب العربي ، 1969 ) ، ص 112.
(14) ثمة روايات شعبية شفوية يرددها من شهد اوضاع الشارع العراقي يوم ذاك ، اذ يقول احد شهود العيان مسجلا ما شهده في قلب بغداد : ” خرجنا من السينما حوالي الساعة الرابعة والنصف عصر يوم الجمعة الموافق 14 شباط / فبراير 1958 ولاحظت حركه غريبة في الشارع ، فاتجهنا باتجاه الباب الشرقي واذا بالناس ترقص بفرح ويغنون ( فيصل يا عزنا وسور النا ) ، فسألت عن السبب فرد علي شخص بقوله انه تم الاتحاد بين العراق والأردن ويوم السبت والأحد عطله رسميه .. ” ( نقلا حرفيا لما سجله السيد بطرس زيباري في اكتوبر 2007 ) .
(15) في حديث مطّول مع المؤرخ الراحل الاستاذ نقولا زيادة ، الجامعة الاميركية ببيروت بتاريخ 1992.
(16) راجع : عوني عبد الهادي ، مذكرات عوني عبد الهادي ، تقديم وتحقيق : خيرية قاسمية ، ط1 ( بيروت : مركز دراسات الوحدة العربية ، 2002) ، ص 470.
(17) راجع : مجيد خدوري ، عرب معاصرون : أدوار القادة في السياسة ، ط1 ( بيروت : الدار المتحدة للنشر ، 1973) ، ص 36-89.

شاهد أيضاً

حفل استقبال يقيمه الدكتور سيار الجميل للموسيقار نصير شمّة في بيته بكندا

ج رى مساء يوم السبت 11 نوفمبر / تشرين الثاني 2017 ، حفل استقبال اقامه …