الرئيسية / الرئيسية / وديع الصافي : المطرب اللبناني الكبير شبهوا صوته بالجبل كونه واحدا من اقواها في الطرب العربي المعاصر

وديع الصافي : المطرب اللبناني الكبير شبهوا صوته بالجبل كونه واحدا من اقواها في الطرب العربي المعاصر

 
” دائما هناك جديد ، سمائي وارضي ووطني وعائلتي ، وامتي العربية ، واهم ما فيها الشعور بالقومية المتجدد دائما ” .
وديع
هذا المطرب اللبناني الكبير الذي لم يزل يتردد اسمه وصوته وموسيقاه واغانيه الجميلة منذ اكثر من ستين سنة .. هذا الذي اقترن اسمه بجبل لبنان حيث تمتد على اراضيه شجرة الارز الخضراء على امتداد ايام السنة .. هذا الذي يتموج صوته فعلا كما تعلو سفحات الجبال نحو الاعالي ، ثم تنخفض نحو قراراتها المكينة .. هذا الذي يعلو فعلا كطود ذلك الجبل الجميل المكسو بالثلوج الوفيرة .. وهو يطل على بحر فسيح تتلون مياهه بين خلجانه الزرقاء وارخبيلاته الدافئة الخضراء .. هذا الصوت القادم من اعماق تلك القرية الوديعة المسماة بـ ” نيحا ” في اعماق جبل لبنان حيث ولد وديع الصافي في اسرة مارونية قديمة منذ اكثر من 82 سنة .. وسطع نجم الصافي عند افتتاح الاذاعة اللبنانية عام 1938 حين تقدم للانضمام الى مطربي الاذاعة ولقب من قبل اللجنة بالصافي نظرا لصفاء صوته وقوته النادرة وكان ترتيبه الاول بين 45 متباريا ، وكان باسم وديع فرنسيس . نعم ، هذا الذي مشى نحو قمة الجبل ليبني له جبلا فوقه يطل فيه على كل ارجاء الدنيا .. هذا الذي امتلك صوتا قويا عذبا يزخر باعماق المكان حتى يستقر بقرارات رائعة ثم يتصاعد فجأة نحو الاعالي بطبقاته المتنوعة .. ولقد حاول الكثيرون على امتداد هذا الزمن الطويل تقليده ، ولكن لم يصل أي واحد منهم الى ذروة ما وصله وديع بكل صنوف الغناء العربي الذي تميز به والوانه المتنوعة . ان طبقات صوته عالية جدا ، وحنجرته صافية ، وصوته له عذوبته وحلاوته ..
وديع .. من يكون ؟
هذا الذي زخر به لبنان منذ عقود طويلة من الزمن وطلبه الملوك والامراء والزعماء ليغني لهم .. ولم يبخل لا على هذا ولا على ذاك فغنى لهم فقلدوه الاوسمة والانواط .. هذا الذي لم يغن للطبقات العليا في المجتمع لوحدها ، بل آثر النزول الى الشوارع ليغني للناس كل الناس اعذب الالوان الشعبية ويسترسل في كل الفنون التي يعشقها عامة الناس .. هذا الذي نقل الوان الطرب والغناء اللبناني من سفحات الجبال وخرير المياه وسهل البقاع وخطوط الساحل الى كل المدن العربية البعيدة فتعلّق العرب به كثيرا .. هذا الذي غنى اجمل الاغاني الوطنية وبثها في كل هذا العالم بعد ان عاش الغربة والاغتراب الحقيقي عندما اختار ان يكون منفيا عن بلاده التي اذكتها الحرب .. بقي الرجل يرتبط ارتباطا عضويا وروحيا ببلاده لبنان ، وآثر الموت على ترابها بالرغم من حمله ثلاث جنسيات غير الجنسية اللبنانية ..
هذا الذي غنى للحب والجمال والطيور وسقسقة العصافير والابوة والعاطفة والحنان والعيون السود والسلام والارز والبحر وبساط الارض الاخضر .. وغنى لبيروت واهلها والعروبة والقدس والشام وبغداد ومصر وبقية الاوطان .. هذا الذي شارك غيره من الفنانين والفنانات وفي مقدمتهن : فيروز وصباح .. اجمل الاعمال على اعرق المسارح وغنى مع الجميع احلى الالحان واروع المسرحيات .. وتألق الصافي في مهرجانات بعلبك الدولية وفي فرقة (الانوار) وبالرغم من انه ملحن قدير الا انه غنى الحانا جميلة من الاخوين رحباني وفيلمون وهبة وزكي ناصيف اضافة الحان اخرى من رياض البندك وفريد الاطرش ومحمد عبد الوهاب وبليغ حمدي والحان من لدنه هو نفسه .. اذ ان لديه جملة هائلة من الاحساس وابداعاته في عزفه على العود ايضا .. هذا هو الذي يسمى وديع الصافي .. فماذا يمكنني انا صاحب الذكريات وشاهد الرؤية ان اقول اكثر من كل هذا الذي قلته في حق الرجل ؟
ما الذي اذكره عن وديع ؟
عندما كنت طفلا صغيرا في الخمسينيات الماضية ، كان لي عم عزيز يحبّني حبّا جما ، وكثيرا ما كان يصحبني معه الى السينما او اقضي ساعات طوال في بيته وكان يقتني احدث الاجهزة الصوتية من الراديوات الكبيرة واجهزة الاسطوانات والتسجيل مع رفوف مليئة بالاسطوانات والاشرطة التي تلتف حول بكرات كبيرة من نوع ( باسيف ) و ( ساس ) و ( سوني ) .. وكان التلفزيون قد احضره ولكن لم يكن البث التلفزيوني قد وصل الموصل بعد ، اذ كانت بغداد اول مدينة في الشرق قد بدأت البث التلفزيوني منذ العام 1956 .. كنت اسمع منذ ذلك الوقت صوت وديع الصافي اذ كان عمّي يؤثره على غيره وقد جمع كل حفلات وديع واغنياته بحيث كان يمتلك ثروة من اغنيات وحفلات وديع لا اعتقد ان هناك من كان يمتلك مثلها ابدا بما فيهم وديع نفسه .. بل وكان ذلك العم يسافر في كل صيف الى لبنان ليستمتع بحفلات وديع واقرانه من الفنانين والفنانات في عاليه وبحمدون ..
مرت السنوات وكنت اكبر ومعي يعيش صوت وديع مرورا بالستينيات والسبعينيات ، وكنت اتابع تلك المهرجانات اللبنانية الرائعة ومنها في بعلبك حيث كان يشدو العمالقة اروع الالحان ويؤدون احلى المسرحيات الغنائية .. بل وأخذت اتابع تلك النوادر من الحفلات التي يقيمها وديع في لبنان ودمشق وحلب والكويت وام الربيعين والرباط وعّمان وبغداد وجرش وقرطاج .. وكنت اجمع تسجيلات رائعة في كل حفلة اجد وديع له طعم جديد .. وقد حظيت بوجودي في واحدة من حفلاته الرائعة التي غنى فيها اروع ما كان له من جديد ، بل ولبى طلب مني عندما غنى ” الله يرضى عليك يا ابني ” و ” العصفور ” و ” طلو احبابنا .. ” .. وغيرها من الاغاني الاجتماعية التي تتضمن جملة هائلة من المعاني الروحية والعاطفية السامية . ولابد لي من القول بأن اروع الحفلات التي شارك بها وديع كانت مع الفنانة الشهيرة السيدة صباح ، اذ كانت له تجربة قديمة معها في اغنية الدويتو، اذ اشتركا سوية في حفل شهير وغنيا اغنيات مشتركة عن لبنان وعن الحب وعن الحياة .. ومن ميزات وديع في حفلاته الخاصة انه يأخذ كل حريته في التعبير عما يريد ان يقوله ويغنيه ، بل والاجمل من كل ذلك تعليقاته البريئة على هذا وذاك .. وعندما يتلهى عن سماعه اي جماعة يصرخ بهم لينبّههم ان يستمعوا الى صوته الصافي !
ما الذي يفّكر به وديع ؟
يعدّ وديع الصافي مدرسة ذات خصوصية فريدة وملتزمة بكل ما هو جميل وعريق . انه ينشد الثراء الموسيقي والفني، ويسعى الى اعطاء الاغنية العربية المعاصرة القها الخاص. ولكنه يختلف عن فيروز بالذات اختلافا جوهريا ، فهو قد غنى ومدح في اغنياته العديد من الزعماء ولا يتوانى ان يغني ما يرضيهم .. وهذا ما لم اجده عند الفنانة القديرة فيروز ابدا .. اذ انها لم تقدّم اي مديح لأي مسؤول او زعيم باستثناء اغنياتها عن اماكن ومدن عربية كانت ولم تزل تمثّل رموزا حقيقية في حضارتنا ووجودنا .. بالرغم من ان وديع مطرب من طراز خاص في حين ان فيروز مغنية من طراز خاص .. وديع يطرب وفيروز تغني .. ولكن الذي يمّيز الفنان وديع من طرف آخر اهتمامه بأطياف الحياة الاجتماعية عندما يؤكد ذلك بقوله : ” نحن العرب ، نعتز بالعائلة ، ولأننا ننظر الى تحسين الاجواء العائلية ، فانا في قمة سعادتي ، حين اقدم عملا ، ويأتي بثمرة في احياء الروح العاطفية والالفة بين الأهل .. فكيف لا اقدم مثل هذه الاغاني التي تجد مثل هذا الصدى الانساني بين الناس ؟ ”
يرى وديع ايضا بأن المسرح الغنائي الاستعراضي من الفنون التي يعشقها ، ولا يرى ان فنانا لا يحب ان يقوم بمثل هذه الأعمال ، لكن بشرط ان تقوم الدولة بتبني مثل هذه الاعمال . أما موقفه من الغناء العربي الجديد الذي نسمعه ليل نهار على امتداد القنوات وفي الاذاعات والحفلات والبرامج فيذكر بأن هناك ( تخبيص ) ، انه يستمع لكل شي صادر من القلب والوجدان ، ولكنه ليس على استعداد لمشاهدة الكثير من الاعمال الهابطة والرخيصة التي تعرض على شاشاتنا التلفزيونية .
الفنان العروبي الملتزم روحيا
يتابع وديع قوله : ” انا فنان وأب ، وجد وحامل هموم العرب ، فنحن تجمعنا اللغة ، واللغة مقدسة ، ولا اؤمن بالتفرقة بين الشعوب ، فكفانا مهاترات ، واتمنى على العرب ان يتلفتوا الى ما فيه خير امتهم ، وان يتخلوا عما يلهثون وراءه ، ويتمسكون به من قشور وتعصب ” ويستطرد عن جديده فيقول : ” دائما هناك جديد ، سمائي وارضي ووطني وعائلتي ، وامتي العربية ، واهم ما فيها الشعور بالقومية المتجدد دائما ” ! لقد حظي وديع بالتكريم والاحتفاء من قبل زعماء ومسؤولين ودول ومنظمات وجمعيات .. كان آخرها تكريمه من قبل الجمعية الدولية للموسيقى بعد 65 عاما من الغناء ومنحته وساما من البابا يوحنا بولس الثاني . وجاء ذلك في احتفال اقيم في جامعة الروح القدس وكلية الموسيقى فيها . وقلد عميد كلية الموسيقى ورئيس الجمعية الدولية للموسيقى الدينية الاب لويس الحاج وديع الصافي الوسام البابوي. وقال وديع الصافي مثال الموسيقي الكامل يجمع بين اعلى النغمات واكثرها انخفاضا متنقلا بارتياح من ذروة القوة الى منتهى الرقة . واضاف: ان رصيده الفني يناهز الاربعة الاف اغنية يتطرق فيها الى العديد من الموضوعات والانواع الموسيقية. انه لم يبخل على الكنيسة بأوج عطاءاته بل الف اناشيد دينية تتميز كما ونوعا مما حدا بالجمعية الدولية للموسيقى ومركزها في روما والتي تضم حوالي اربعين بلدا ان تكرمه على طريقتها فالتمست له من البابا يوحنا بولس الثاني وساما حبريا بابويا فتكرم ومنحه الوسام المرجو مع بركة خاصة. ورد وديع قائلا : بعد مضي اثني عشرة سنة على منحي دكتوراه شرف في الموسيقى من جامعة الروح القدس ، ها انا مجددا في كنف هذه الجامعة الرائدة لامنح الوسام البابوي على اعمالي الموسيقية الابتهالية الروحية للمشرقيين على ايقاعات الزمن الاتي .
( نشر النص اعلاه فصلة في كتاب سيار الجميل : نسوة ورجال : ذكريات شاهد الرؤية ، ويعاد نشرها اليوم لمناسبة رحيل الفنان الكبير وديع الصافي .. ).
ملاحظات أخيرة
ما كنت قد كتبته ونشرته اعلاه كان قبل 15 سنة ضمن سلسلة فصلات كتابي الموسوم ” نسوة ورجال : ذكريات شاهد الرؤية ” ، ولكنني اليوم لابد ان اضيف معلومة ذلك أن السيدة الفاضلة السيدة ليندا غدار كانت قد وعدتني منذ اكثر من سنتين ان تجمعني بالفنان الاستاذ وديع في اول زيارة لي الى بيروت كونها من ابرز السيدات اللبنانيات اللواتي يهتمن بالفن والفنانين العرب الاصلاء ، وقد شكرتها على ذلك .. ويبدو ان القدر كان اسرع بملاقاة وديع الصافي كي يرحل عن كل اصدقائه واهله ومحبيه .. وسواء اتفقنا معه او اختلفنا في وجهة نظره السياسية ومواقفه من هذا الزعيم او ذاك ، فان الرجل وفنه اكبر بكثير من وجهة نظره السياسية .. ولقد قدم للعرب اكثر بكثير مما قدمه زعماء ورؤساء وقادة وصلوا الحكم بالصدفة العجيبة .. سيبقى صوت وديع الصافي وتراثه حيا لا يموت على مدى الازمان القادمة .. وستبقى ذكرى هذا الرجل الفنان الحقيقي شاهدة على اصالته وروعة اعماله ..
تنشر على موقع الدكتور سيار الجميل
www.sayyaraljamil.com

شاهد أيضاً

نزار قباني والقطة السوداء في قصر الحمراء

  اكتب لكم هذا ” المقال ” وانا في الطائرة التي  عدت فيها عبر الاطلنطي …