الرئيسية / الرئيسية / من قنطرة علياغا الى قنطرة الجان بانوراما محلية موصلية ( مستلة من كتاب حقيبة ذكريات )

من قنطرة علياغا الى قنطرة الجان بانوراما محلية موصلية ( مستلة من كتاب حقيبة ذكريات )

مقدمة
قرأت بشغف شديد ، المقال الذي كتبه الكاتب الموصلي الاخ الاستاذ اسامة غاندي ونشره تحت عنوان ” قنطرة الجان : الدامية القاتلة والمعشوقة ” يوم 5/6/2013 على صفحة بيت الموصل الزاهر .. واكبرت في كاتب المقال ملاحظته الاخيرة الكبيرة والمتواضعة معا ، والتي اختتم بها مقالته الجميلة هذه ، بقوله : ” ارجو من كافة القراء الكرام ، الاشارة المشكورة ، لأي خطأ او سهو في بعض الاسماء الواردة في المقالة، وبإمكانهم التكرم والتفضل بإضافة او استدراك على الموضوع بما يغنيه ويوثقه أكثر، لأنني بشر، يمر علي الخطأ والوهم أحيانا، خدمة للتاريخ وتبيانا للحقيقة ” . فضلا عن تميّز الاخ اسامة بأسلوبه الجميل الذي يستهويني منذ زمن طويل .. ولما كانت ذاكرتي تحتفظ ببعض المعلومات عن هذا ” الموضوع ” الذي عشته منذ طفولتي في الموصل ، فليسمح لي الاخ اسامة والقراء الكرام ان اضيف بعض المعلومات ، واستدرك بعضها الاخر ، وخصوصا في الموقع والاسماء والبيوتات والشخصيات الوارد ذكرها .. وذلك خدمة للتاريخ الاجتماعي الموصلي الغني الذي تتميز به مدينة الموصل ام الربيعين على امتداد الزمن الحضاري الطويل . وسأترك ما ليس له اية علاقة بهاتين القنطرتين العريقتين : قنطرة علياغا الديوه جي التي يقوم بيته فوقها ” او القنطرة ” المجاورة لها والتي اسماها الموصليون القدامى بــ ” قنطرة الجان ” ، ولا احد باستطاعته التكهن عن سبب هذه ” التسمية ” ! وبالرغم من قناعة البعض بأن الجان تسكنها ، الا ان ذلك لا اساس له من الصحة ابدا ، واعتقد ان الظلام الذي يلفها في الليل ، كان وراء افتراض المخيال الشعبوي لهذه التسمية ، وان تاريخ بعض الاماكن الغريبة تحكيه الحيطان والاحجار في معظم المدن العريقة في تاريخ العالم ، وخصوصا في آسيا واوروبا ، كما تخبرنا التواريخ المحلية لها ، ويصدق هذا القول على قنطرة الجان التي اعتنى بها الاستاذ اسامة غاندي .
ان القناطر الموصلية لا تنحصر بمكان معين من الموصل القديمة – كما يعلم معظم اهل الموصل القدماء – ، فهي تنتشر في معظم الازقة الضيقة سواء في محلة الامام ابراهيم ام في حوش الخان ام في محلة السوق الصغير ام باب النبي ام باب السراي ام سوق الشعارين ام المياسة ام جامع خزام والسرجخانة وشهر سوق وباب الشط ام غيرها من المناطق والمحلات الممتدة تواريخها في عمق الزمن الطويل بكل ما كان لها من جماليات ، وما آلت اليه اليوم ويا للاسف الشديد . انها قناطر معمّرة احتاج فن تشييدها جهدا وهندسة وذكاء وخصوصا بين الدور المتلاصقة التي تفصل الازقة بعضها عن البعض الاخر . واشتهر البناؤون من الفنانين المعماريين القدماء في الموصل بفن بنائها الذي لا نجده في مدن اخرى ، مقارنة بما هو عليه حال الموصل والتي تشكل قناطرها واحدة من خصوصياتها الحضارية .. ( وقد قرأت ما نشره الاخ الاستاذ صبحي صبري في مقالته بعنوان القناطر في الموصل وابداع البنائين القدامى ، فضلا لما قام به ايضا الاخ الفنان المهندس سالم الحسو من تصويرها ونشر ذلك في السنوات القريبة الماضية اثر زيارته للموصل بعد اغتراب طويل ) . وعليه ، فقد آليت على نفسي ان اسجّل في ” حقيبة ذكرياتي ” هذه البانوراما المحلية الموصلية قبل ان يعبث الزمن بذاكرتي التي لم تزل قوية وحادة ومكتنزة حتى اليوم ، وقد خزّنت جملة كبيرة من اشرطة الذكرى والاشارات والرموز والاسماء والنصوص والاخبار والاسرار والمعلومات عن الموصل ام الربيعين التي اضمنّها حقيبة ذكرياتي في مجلدها الاول عن مدينة عريقة ومهمة جدا في جغرافيتها وتاريخها وسوسيولوجياتها الثقافية التي تمنحها خصوصيتها الحضارية .

حول الموقع المحلي :
اولا : قنطرة بيت عالياغا
يقول الاستاذ عبد الجبار جرجيس في مقال له عن القناطر الرائعة المنتشرة في الموصل القديمة : ” قنطرة آل الديوه جي: من القناطر المهمة تقع في محلة الإمام ابراهيم(عليه السلام)بناها المرحوم(علي أغا الديوه جي)وهي كبيرة جدا مبنية على ثلاث طرق. وقد تم تشييد جناحا كبيرا فوقها، يشتمل على إيوانين وأربع غرف كبيرة. وأمامها فناء وتعتبر من النماذج المعمارية المتميزة في هذا المجال وقد هدمت معالمها وأكثر أجزائها سنة 1997م ” . ان معلوماتي تشير الى ان القنطرة كانت موجودة قبل علي اغا ، اذ كان قد اضاف رواقات عليا في بيته الكبير وسكنه رفقة أخيه قاسم اغا الديوه جي ..
لابد من القول قبل كل شيء ان لقب ” عالياغا ” هو اسم مدمج من علي اغا ، وقد اطلق على علي اغا الديوه جي . يقول الاخ اسامة : ” تقع قنطرة الجان وسط زقاق قديم في الموصل ، هذا الزقاق يدلف منه من محلة امام ابراهيم الى محلة النبي جرجيس ، الزقاق الذي توجد فيه القنطرة قصير، ليس بالطويل، لا يوجد في الزقاق أي بيت، انما هو ظهور لبيوت تقع ابوابها في محلة الامام ابراهيم. لذلك فان الزقاق غالبا ما يكون خاليا غير مطروق ، كما أن القنطرة نفسها ليست مستقيمة ، انما معوجه على شكل منجل ، وهذا ما يجعلها مظلمة اغلب الاوقات، بله الليل . القنطرة تلي مباشرة قنطرة اخرى ، سموها قنطرة الديوه جي ، لانها تربط طرفي بيت المرحوم عثمان آغا الديوه جي( كما كان يُطلق عليه ) في محلة الامام ابراهيم . ، وقنطرة الديوه جي طريق سالك ومطروق بكثافة ، كما أنه ممر رئيس للقادمين من الشارع. لذلك فقد كانت قنطرة الديوه جي مريحة كثيرا ، وذات سمعة جيدة قياسا الى قنطرة الجان ” ( انتهى النص ) .
دعوني استميح الاخ اسامه عذرا كي اقول بأن قنطرة علياغا الديوه جي تقع من جهة الامام ابراهيم قبل قنطرة الجان عندما نأتي من مسجد الامام ابراهيم .. وعلينا ان نفصل الحديث عن كل قنطرة ولا ندمج بينهما ، فلكل واحدة شخصيتها المعمارية والتاريخية والاجتماعية .. واضيف على الذي قاله الاخ اسامة حول موقع القنطرة موضحا ومفصلا ومصوبا ، وليسمح لي بذلك : اذا كنت قادما من رأس الكور في الشارع النازل نحو شارع نينوى باتجاه النبي جرجيس وانت على الطرف الايمن من الشارع ، فستجد هناك مسجد الامام ابراهيم ، وهو مسجد قديم شهير تسمّت المحلة كلها باسمه ، وباستطاعتك ان تدلف من بعده مباشرة الى زقاق طويل سيأخذك الى محلة رأس الجبلين ، وبعد ان دلفت الى الزقاق وتمشي قليلا ستجد زقاقا نحو الشمال تصعد درجا كي يأخذك الى بيوت آل الصابونجي .. ولكنك تمضي في الزقاق الاصلي كي تجد مدرسة دينية على يمينك فيها قاعة للدرس وغرفة وحديقة جميلة صغيرة تنتشر فيها حشائش ونبتات طبيعية تفترش الثغور بين القبور او تتوزع شتلات الزهور ، ثم يتلو تلك المدرسة الدينية التي تسمى بمدرسة الامام ابراهيم الزقاق الرفيع الذي يمضي بك نحو رأس الكور .. تتركه وتمشي باستقامة وتستدير استدارة بسيطة لا تشعر بها في الزقاق الاصلي ، ستواجهك قنطرة كبيرة وطويلة هي قنطرة بيت عالياغا من الديوه جية الاغوات ، وقبل ان تمر في القنطرة سيكون هناك قرابة اربعة او خمسة بيوت كانت تسكنها قبل اكثر من خمسين سنة عوائل معروفة ، فهناك بيت سعيد جلبي الفيل وولديه الاستاذين المرحومين زهير وطارق وابنته الوحيدة باكزة ( وهي عقيلة الاستاذ جمال الرزو ) ، ثم هناك بيت المحامي والحاكم لاحقا المرحوم الاستاذ سالم الديوه جي ثم بيت المرحوم اسماعيل الشيخ علي ( ولقد اشتهر آل الشيخ علي بالفن والخط الجميل في الموصل ومنهم اخته الشهيرة بالريازة والتطريز واسمها منسيّة الشيخ علي ، وهي فنانة مبدعة ومشهورة بين عوائل الموصل ، وولدي عمه كل من الاستاذين الفنانين صالح وزهير وقد اشتهرا بالخط العربي ، وهناك ايضا الاستاذ صديق الشيخ علي والاستاذ حازم الشيخ علي رحمهم الله جميعا ) وفي مقابل هذه الدور كان هناك دار السيد المرحوم صديق زكريا الموظف القديم في البلدية ( ابو حسن ) ..
بعد كل من هذين الدارين مباشرة تأتي القنطرة ( قنطرة بيت علياغا ) ، ويتراءى فوقها شباك او اكثر ، وهو يطل على الزقاق وهو شباك مجلس او قوناغ آل الديوه جي ، ثم ندخل القنطرة الكبيرة مباشرة ، وهي تجمع ثلاثة مسالك في داخلها ، اذ لها منفذ على اليمين لزقاق متعرّج يمتد نحو محلة المكاوي ، ومنفذ مستقيم يمتد نحو باب الجبلين الذي يصل المرء من خلال ازقة قديمة جدا توصله من خلال المرور بعدد كبير من البيوت والحارات والازقة الى الجامع النوري الكبير .. ان قنطرة بيت علياغا قديمة جدا وكبيرة واسعة وسقفها قريب .. وفي داخل القنطرة الكبيرة تلك باب كبير على اليسار يدخل منه الى فناء كبير ( حوش البرّا ) لبيت المرحوم قاسم اغا بن علي اغا الديوه جي ، والمتصل ببيت ابن اخيه الحاكم سالم داوود علي اغا الديوه جي ويتألف البيت الكبير من طابقين مع رواقات وفي الطابق العلوي وفوق القنطرة مباشرة يقع قوناغ قاسم اغا الديوه جي ، ويشتمل الطابق العلوي فوق القنطرة الكبيرة على إيوانين وأربع غرف كبيرة وكان القوناغ احداها . وأمامها كلها فناء واسع ، وقد بني الطابق العلوي على طراز معماري متميز في هذا المجال ، وكنت ارى مئات الطيور والقلاشات الحمام تنتشر على اسطح تلك الابنية ، واسمع اصواتها المثيرة وهديلها الجميل . والقوناغ : هو المجلس باللغة العثمانية ، وكان قوناغ قاسم اغا الديوه جي آخر قوناغ تشهده الموصل من بقايا الوجود العثماني فيها .. وقد بقي عامرا بزواره حتى بداية الستينيات من القرن العشرين ، ثم ضعف ولم يعد يقصده احد نظرا لرحيل جيل القدماء . ولابد ان اشير الى ان الزقاق يفصل بين الحوش البّرا والحوش الجّوا لبيت المرحوم حسين اغا الديوه جي ( الاب الكبير ) ، ولكنهما يرتبطان من خلال ما يعلو القنطرة من رواقات وفناء يشترك على الجانبين .
وانا طفل صغير ، كنت اقصد قوناغ الوجيه قاسم اغا الديوه جي برفقة المرحوم والدي الذي كان يزوره اسبوعيا بحكم العلاقة القوية التي ربطت عائلتينا معا منذ اكثر من مائة وخمسين سنة على زمن جدي الاكبر حسين جلبي الجميل وعلي اغا الديوه جي ( ابو داوود اغا وقاسم اغا ) ، وكنت انتوب مكانا في زاوية معينة لأسمع الكبار ، وهم يتحدثون في الفكر والادب والسياسة والمجتمع ، مع فناجين القهوة والسكائر الفرنجية والبلدية وطقطقات السبحات والوان خيوط بساكلها . وكان قاسم اغا من اطول رجال الموصل ، واتذكره جيدا بقامته الطويلة وبدلته الغامقة ، وهو يلبس السيدارة وبيده الباسطون ، وكان يعرف معلومات واسعة عن الموصل واهلها ، وكانت قد توثقت عرى الصداقة بينه وبين جدي المرحوم علي افندي الجميل ( توفي عام 1928 ) اذ كانا يسافران معا الى بلاد الشام برفقة صديقهما فريد جلبي الجادر ، ثم غدا قاسم اغا نائبا في البرلمان العراقي ، وكان ارستقراطيا ، يملك مع اخيه الاف الدونمات من الاراضي . وكان بين الحين والاخر يدعو عددا من اصدقائه واصفيائه القدماء على وليمة فاخرة في الباحة العليا لبيته وامام القوناغ ، وخصوصا على اكلة موصلية قديمة اسمها ” الصاجيّة ” ، وهي من الذ ما تذوقته في حياتي ! وكان لا احد يجيد طهيها الا اخته ، وكان يساعدها خادمه المخلص المشهور بشرواله وطاقيته ، اذ يوضع لحم الضأن الموصلي بقطعه الكبيرة على صاج مغلق ويطهى على نار الخشب الهادئة لساعات طوال .. وتؤكل الصاجية مع رز عقرة المطبّق على الطريقة الموصلية الى جانب خبز التنور الحار ..
واشترك والدي الاستاذ كوكب علي الجميل ( توفي عام 1968 ) مع ابن داوود عاليغا ، وهو الاستاذ سالم الديوه جي رحمهما الله في محل واحد للمحاماة في شارع نينوى في بداية الخمسينيات من القرن العشرين .. وهنا احب ان انوّه بأن الشيخ المرحوم عثمان افندي الديوه جي لم يكن بيته هنا في هذا المكان – كما ذكر الاخ اسامة – ، بل كان قريبا من شارع الفاروق – كما كان قد اخبرني الصديق الدكتور عبد الاله الديوه جي بذلك _ وعليه ، لابد ان ندرك ان آل الديوه جي في الموصل عائلة عريقة واحدة ، ولكنها مفترقة بين جناحين اثنين جناح الاغوات وجناح الافندية ، ولم يكن هناك تقارب عميق بين الطرفين ، فالاغوات يملكون الاراضي والبيوت الكبيرة ويتعاملون بمنتهى الارستقراطية في حين كان الافندية وخصوصا كل من الاخوين القاضيين الشهيرين عثمان افندي واحمد افندي .. لا يملكون ذلك ، بل يملكون العلم والادب والفقه والقضاء الشرعي . اذ كان الشيخ عثمان افندي ( ابو العالم الدكتور عبد الاله ) قد نصّب قاضيا لبغداد في العشرينيات ، وكان الشيخ احمد افندي ( ابو المؤرخ الشهير سعيد افندي ) قد نصّب قاضيا في الموصل ابان العشرينيات .. وكان علمهما كبيرا جدا ، وتخرّج على ايديهما العديد من علماء الموصل .
نخرج من القنطرة لنجد انفسنا فجأة امام بابين متقابلين في الزقاق نفسه وجيران قدماء جدا سادت المودة بينهم ، على اليمين باب خشبي لبيت داخلي كبير ( حوش الجوا ) كان يقيم فيه اولاد وبنات داوود اغا بن علي اغا الديوه جي ( الذي دعي بعلياغا ) الاخ الاكبر لقاسم اغا ، واولاد داوود علياغا هم : سالم وحازم وعزت واخواتهم الآنسات الكريمات الكبيرة لمعة والمعلمتين كواكب وسلمى رحمهم الله جميعا ومنهم اليوم المهندس الاخ ممتاز حازم الديوه جي ..
اما الباب الذي يقابله على الشمال ، فهو باب بيت يعود في الاصل الى عائلة زبير اغا ، وكان زبير اغا رجلا تاجرا موسرا ومعروفا في الموصل .. وكانت عائلته قد انقرضت للأسف كونه لم يعقب ولدا ، بل خلّف بنات اشتهرن بجمالهن الاخاذ ، وهن المرحومات الحاجة حسيبة التي اقترنت بمحمد جلبي الجادر وكانت من السيدات الصالحات المحتسبات. وهناك ابنته الاخرى اسماء زبير اغا وقد اقترنت بالحاج عبد الباقي جلبي الشبخون ورزقا بكل من فؤاد ( الذي توفي شابا في بيروت عام 1928 وكان يدرس بالجامعة الاميركية ) ويحي والملاك المعروف الحاج صالح ( ابو رضوان ) والقاضي عبد الله والدبلوماسي نجيب ووهبية وفخرية رحمهم الله جميعا ومن بنات زبير اغا ايضا حياة ومريم . اما الابنة الصغرى لزبير اغا ، فكانت فاطمة التي اقترنت بتاجر اسمه يحي جلبي الفيل فكان ان توفي شابا ، وترك ثلاثة اولاد وابنة واحدة ، هم المرحوم حسيب جلبي وعميد الشرطة عدنان ( الذي احيل على التقاعد بلا ذنب بداية السبعينيات ) – اطال الله في عمره – والمرحوم الاستاذ خالد والسيدة خالدة ( وهي والدتي رحمها الله ) . لقد عاشت الابنة الصغيرة فاطمة مع اولادها بعد رحيل زوجها في بيت ابيها زبير اغا الذي يقع مقابل بيت علياغا وبعد القنطرة مباشرة ، وكان بيتا جميلا ، وكانت تخدمها امينة (ام سعيد) التي كانت تحفظ قصصا وحكايات مصلاوية قديمة ، وكانت موسوعة في الامثال الموصلية التي تفسرها من خلال تعليقاتها الساخرة ، ومنها نص مصلاوي قديم اتذكره جيدا منذ طفولتي ، اذ تردد عندما تسمع أي خبر لا يعجبها : ” انهجمت وانصطمت .. واتكندغت الغوس بالميدان ” ، وكانت امينة قد عميت في نهاية حياتها ، ولكنها بقيت ذاكرتها حادة جدا ولسانها سليط . وكلما اعدت هذا النص في ذاكرتي بعد دراستي لتاريخ الموصل .. اتساءل وانا افكر بالحدث الجلل الذي اصاب الموصل حتى تنهجم الدنيا وينعدم وجودها وتتدحرج رؤوس البشر في الميدان !! ؟

ثانيا : قنطرة الجان
يقول الاستاذ عبد الجبار جرجيس عن قنطرة الجان : ” من القناطر القديمة تقع في محلة النبي جرجيس، وهي طويلة يصل طولها الى خمسة أمتار، وبارتفاع ثلاثة أمتار. يذكرها الأهلون هناك، إنها مسكن لبعض الجان، لذا نجد أن اغلب الصبيان، أو بعض الأشخاص لا يمرون ليلا من خلالها، وهي ظلماء لأن الكهرباء لم تكن في الموصل سابقا.. ما تزال موجودة في المنطقة ” . ومن اجل تصويب المكان ، اقول بأن القنطرة قريبة على الامام ابراهيم ، اذ تقع في محلته وليس في محلة النبي جرجيس ..

دعونا نعود الى وصف الزقاق :
اذا مضينا في الزقاق ، سنجد مباشرة زقاقا ضيقا على الشمال يأخذنا بين حيطان البيوت العالية الى قنطرة معتمة اسموها منذ زمن طويل بقنطرة الجان وهي مستديرة . وكانت الحيطان والجدران العالية على طرفي الزقاق هي لبيوت آل الفيل وآل زبير اغا ، والجلبية من آل الفيل عائلة قديمة ومعروفة في الموصل برز منهم في النصف الثاني من القرن التاسع عشر المغفور له الشيخ الفقيه العلامة محمد افندي الفيل وكان عالما ومجتهدا كبيرا درس على يديه كل من الشيخ الرضواني والشيخ الجوادي رحمهما الله ..
كان ذلك الزقاق الضيق يفصل بين بيت زبير اغا وبيت كبير جدا لصاحبه المرحوم سليمان جلبي الفيل ، وكان تاجرا وصاحب اراض وضياع وخلف ولدين يحي وصالح وقد توفي يحي قبل ابيه ، وبقي صالح جلبي ، وكان هذا الاخير قد اقترن باحدى كريمات الحاج قاسم جلبي الصباغ ، فرزقا بولدين وابنتين ومنهما الاستاذ معاذ الفيل والدكتورة ندى الفيل التي اقترنت بالمرحوم المحامي حازم بكر آل سليمان بك . اما بنات سليمان جلبي الفيل ، فهن السيدة اسماء التي اقترنت بالحاج علي الحسون وكان شخصية وطنية معروفة في محلة خزرج العربية القديمة ، ولقد انجبا كل من زكية وعائشة وسامية وزينب الحسون .. وهناك ابنة سليمان جلبي الفيل الاخرى السيدة وهبية التي اقترنت بقاسم جلبي حديد ( وهو اخو الحاج حسين جلبي حديد وعم الوزير المعروف محمد حديد والاستاذ عبد الكريم حديد ) ولم يعقبا وقد استشهد قاسم جلبي حديد برصاص غوغاء حركة العقيد الركن عبد الوهاب الشواف في حوش بيته قرب شارع النجفي في شهر 11 آذار / مارس عام 1959 ، اذ قتل بعد ان ضرب باب بيته الحديدي بالرصاص وكان في قلب حوش بيته يتوضأ رحمه الله ولم ازل اتذكره تماما .. وهناك ابنته السيدة وسيلة التي اقترنت بالوجيه احمد جلبي الجادر وخلفّت منه كل من المرحومين فاضل وعادل وباكزة ( وهم اخوة الوجيه نجيب جلبي الجادر التاجر المعروف من ام اخرى ) . اما الابنة الصغيرة لسليمان جلبي فكانت السيدة فضيلة التي اقترنت بالسيد عبد الرحمن جلبي حديد ورزقا بكل من المرحومين الاستاذ المحامي عبد الرزاق حديد المدعي العام في محاكم استئناف الموصل سابقا ، والاستاذ المهندس نوفل حديد واخواتهما ناثرة زوجة فاضل الجادر ، وناهدة زوجة سالم حديد ، ونجاة زوجة سعد علي الجميل ، ووجيهة زوجة حسيب جلبي الفيل ونوال زوجة المهندس عزت بكر آل سليمان بك ..
ويا للأسف ، لقد بيعت تلك البيوت العامرة والجميلة في زقاق محلة امام ابراهيم الشهيرة بعد الهجمة السكانية من المهاجرين القادمين من جنوبي تركيا ، واغلبهم من كرد الكويان الذين سماهم المواصلة بـ ” اهل تنّه ” ، وكان اغلبهم يجتمعون عند بوابة مسجد الامام ابراهيم كحمالين وكانوا يصفّون عربات الدفع عند بوابة الزقاق.. اذ باع صالح جلبي الفيل بيت ابيه ، وباع حسيب جلبي الفيل بيت جده زبير اغا .. وبنوا لهم بيوتا في الاحياء الحديثة . ولا ادري ماذا حلّ ببيوت الاغوات الديوه جية المقابلة لهم اليوم بعد رحيل قاسم اغا واولاد وبنات أخيه داوود علياغا .. لقد امتلأت تلك المنطقة العريقة ومناطق اخرى في ازقة باب النبي وازقة حوش الخان وازقة سوق الشعارين بالقرجان والكويان والاغراب والمهاجرين الذين زحفوا من كل حدب وصوب الى دواخل الموصل القديمة وتطفلوا عليها وغيروا ثقافتها فهرب اصحابها القدماء الى الاحياء الجديدة .. لقد خرج سكانها القدماء منها نهائيا بعد ان اصبحت الحياة لا تطاق فيها ، وكثرت الاوساخ فيها وعجت بالضوضاء من قبل الاطفال الذين وجدوا في الازقة مرتعا لهم ولألعابهم وضوضائهم وخصوماتهم وقلة حيائهم .. لم يتعايشوا مع السكان الاصليين بسهولة ، ليس لأنهم غير موصليين ، فالموصل على امتداد ثلاثة قرون مضت قد استوعبت مختلف انواع السكان الذين قدموا اليها من عقرة ودهوك وبامرني والعمادية وقرى سهل نينوى المتنوعة ، وكانوا من اطيب الناس كونهم من نبت هذه الارض الرائعة .. بل لأن الطارئين يختلفون في اساليبهم ومعاملاتهم وطبيعة تصرفاتهم مع الحياة الموصلية التي لها خصوصيتها الاجتماعية وثقافتها المعروفة والتي ليس من السهولة التأقلم معها الا بعد مرور عقود طوال من السنين ، مع فارق العادات والتقاليد واللغة المحكية والتمايز الاجتماعي .
لا اعتقد ان قنطرة الجان قد اختلفت فيها الروايات والاغراض ، وربما اقترنت في الماضي بالخوف منها لظلمتها فقط .. بل خوف المرور بها ليلا ، كونها مظلمة معتمة وطويلة تشعرك بالخوف والرهبة .. ان معلوماتي التاريخية او التي عشتها في طفولتي لا تؤكد ابدا ان القنطرة قد جمعت بين الخوف والرعب من الجان والداميات ( والدامية : كائن خرافي شرير تكثر الحكايات الموصلية عنه كي يخيف الاهل اولادهم منه ، ولا يعرف متى ولد ذلك الرمز المخيف في الذاكرة الجمعية الموصلية ، واعتقد انه قد تكّون جراء الكوارث والمصائب التي المّت بمجتمع الموصل في القرون الاخيرة ) .
لقد كانت سمعة القنطرة كما كنت قد سمعتها عادية ، فلم تكن غير طيبة ، بل انها قنطرة معتمة ومستديرة يمر بها ابناء تلك المحلة وما يتصل بها من ازقة ومناطق نهارا ، اذ لم اسمع يوما ان سمعتها غير مرض عنها ابدا ، . وعليه ، فهي ليست ذات سمعة غير طيبة نتيجة لمرور الخمارين فيها ليلا ورميهم قناني المشروب ! اذ لا يجرؤ احد على فعل ذلك ، كما ولم يجتمع فيها – كما يقول الاخ اسامة – : ” بعض العشاق عصرا وقبيل المغرب ، او عقد اللقاءات الغرامية المستعجلة فيها . لذلك فقد حرض الاباء والامهات كثيرا على تحاشيها في المرور ، كما اوغروا صدور الاطفال بعدم الدخول اليها ، وكان المعلن للأطفال هو وجود ما يخيف فيها ، والمبطن للكبار والمفهوم اشارة هو خشية الشبهة او حصول أمر ما . والحقيقة أن القنطرة في موقعها تشكل مكانا آمنا لمن يريد ان يتوارى عن الانظار ” ( كذا ) . لا ابدا يا عزيزي اسامة ، فحسب معلوماتي المؤكدة ، ان القنطرة فعلا لم يكن المرور فيها على غرار قنطرة بيت عالياغا التي كانت فعالة جدا ، ولكن قنطرة الجان كانت موحشة بعض الشيء ، ولكن لم يجرؤ احد على عقد لقاءات غرامية فيها ابدا ، او جعلها مكبا لقناني الخمور الفارغة ! وهي تقع بين بيوتات محترمة ومرموقة لها مكانتها الاجتماعية في الموصل القديمة .
واحب القول ان القنطرة كانت تربط بين زقاق الامام ابراهيم بأزقه محلة باب النبي جرجيس الخلفية ، اذ لم تكن مأوى لا للعشاق ولا للسراق ولا للمخمورين ولا للأشقياء ، ولا لمن يتوارى عن الانظار ، اذ كان من يجتازها ، سيمرّ من بعدها ببيوتات عوائل معروفة واقرب البيوتات اليها بيت عزيز احمد الفتاح .. ومنها يأخذنا الزقاق الى ما وراء جامع النبي جرجيس حيث بيوت المرحومين احمد الحبار وسلو الشاكر وبيت جاجان وبيت آل جلميران وعلى طرف آخر بيوت آل حمو القدو وغيرهم .
لا اعتقد ان القنطرة كانت تشكل فوبيا للخوف منها الا لمن لم يألفها ، وان الخوف منها ليس وليد زراعة الاخرين ؟ انها قنطرة سميّت بهذا الاسم من قبل السكان القدماء الموصليين ، اذ كانت مطروقة على امتداد الزمن ، ولم تكن تسمى يوما بغير هذا ” الاسم ” ، وكيف تكون تسميتها الحقيقية بقنطرة بيت جاجان ؟ وأسأل الاخ اسامة : ما اسم احد السكان القدامى في المنطقة والذي حكى ذلك لك ؟ انه ادعاء لا اساس له من الصحة ! ان بيت جاجان كان بعيدا عن القنطرة وكان اقرب الى النبي جرجيس ، والقنطرة اقرب الى الامام ابراهيم منها الى النبي جرجيس ، وتسمية قنطرة الجان ابعد من تاريخ سكن بيت جاجان بكثير ، وهي عائلة شيشانية مهاجرة قدمت الموصل وسكنت هناك في القرن التاسع عشر ، في حين اقدّر عمر قنطرة الجان بنحو 250 سنة ، اذ ترتبط ببناء بيوت آل الفيل فيها ! واقدّر تاريخيا بناء قنطرة عالياغا الديوه جي بنفس العمر ومع بناء بيوتهم هناك ، أي عند منتصف القرن الثامن عشر . ولقد وجدت ان البيوت الكبيرة بما لها من حوش برا وحوش جوّا والتي تعود الى عائلة واحدة كانت ترتبط فيما بينها بقنوات علوية فوق الازقة ، وكانت تدعى تلك القناة بالاخشيم .

اسلوب حياة محلة الامام ابراهيم : بانوراما التعايش المحلي الموصلي
يقول الاخ اسامة في مقالته : ” استراحت العوائل لأنها جنبت ابناءها الصغار من الدخول اليها ، ايضا حذرت اليافعين خوف الشبهة ، لكن الساكنين حولها ، نوعية مختارة من العوائل الكريمة والعريقة ، وذات موقع اجتماعي ارستقراطي تقريبا ، وهذا ما جعل وجودهم يشكل ضغطا من نوع ما على رواد المحلة كلها . وحجّم دورها ، ومنع الاقاويل من الاندياح كثيرا بشأنها . كان يسكن برأس الزقاق الذي تقع فيه القنطرة ، المرحوم عزيز احمد الفتاح ، سكن هذا البيت بعد أن باعه مالكه السابق عبد الله الفيل ، وهما شخصيتيان معروفتان في الموصل وحاضرتان اجتماعيا ، و بجانبه على الرأس الاخر ، سكن ابناء محمد الحاج اسعد الطائي ، يقابله تماما المرحوم عثمان الديوه جي ، وهو معروف كرجل وجيه ، ويُعرف بالآغا ، في المنطقة ، ويبدو أنه يُمارس هذا الدور أيضا، حيث يكثر في بيته الخدم والحشم ، ويأتيه ريع الضياع والقرى والمحاصيل الى البيت. وبجانب بيت الديوه جي كان هناك بيت المرحوم قاسم الصائغ، والد الحاج رياض الصائع وحازم الصائغ، يقابله بيت المرحوم خليل الملاح. على مقربة منهم داخل الفرع بيت الحاكم عبد الله الفيضي واخوه، وسكن ايضا في هذه المنطقة، ملاصقا لقنطرة الديوه جي، المرحوم محمد طاهر الغضنفر، مدير الطابو السابق (هكذا كما اتذكر). وايضا هناك بيوت كثيرة، متوزعه حول المكان ” ( انتهى النص ) .
واجيب بأن ما تكلم عنه الاخ اسامة لا يتصل بالاغوات من آل الديوه جي والجلبية من آل الفيل ، ولكن حكى عن كل من عثمان افندي الديوه جي وعبد الله افندي الفيل .. وان بعض الاسماء الواردة الاخرى لشخصيات سكنت الزقاق في القرن العشرين كانت صحيحة . وعن شخصية عبد الله افندي الفيل المغمورة التي لا يعرفها احد .. فقد ذكرني مقال الاخ اسامة عند ذكره هذا الرجل ، بحكاية قديمة كانت جدّتي لأمي – رحمهما الله – قد قصتها علّينا عن حادثة تعود الى ايام شبابها .. قالت : كان المتعارف عليه ان نكرم الجيران والجيران يكرموننا دوما ، ولما اكرمنا احد الجيران بقدر من القره زنكي ( وهي اكلة عريقة كانت تطبخها بعض البيوت الموصلية القديمة ، وهي محلاة بالزبيب والتين المجفف مع الجوز والمكسرات ) ، قام الجيران بإكرامنا أيضا بقدر من الرز واللحم .. وكان عبد الله افندي الفيل رجلا منعزلا عن الحياة وهو زاهد فيها ، بل وكان احد اركان التصوف في الموصل ، وهو يقطن في صومعته العليا بالبيت الكبير ، ويعيش على اللوز والماء فقط ولا يأكل او يشرب شيئا غيرهما ، وكان مهووسا بالذكر والتسبيح ليل نهار .. قالت تكمل حكايتها : فأخذت طبقا من ذلك الرز واللحم وذهبت به الى الشيخ عبد الله افندي وقت الغداء ، فوجدته غارقا في تسبيحه وقد ابتلت لحيته البيضاء بالدموع . التفت اليّ بعينيه الزائغتين ، وقد احمرتا من البكاء ، وسحب بيده من الطبق الذي وضعته امامه قبضة رز وعصره عصرا ، فاذا به ينزّ دما قانيا وجرى الدم من بين اصابعه .. فأستشاط غضبا ، وأمرني مباشرة ان ارفع الاكل من امامه قائلا : ارموه .. لا تأكلوه ابدا .. انه من مال حرام !
نعود لنص الاخ اسامة الذي يستطرد قائلا : ” السكان هنا كانوا يمنعون اطفالهم منعا باتا من التواجد خارج البيت او في الزقاق ، ليس لأغراض خوف ما ، ولكن ما يشبه التواطؤ الاجتماعي ، او شيء متعلق بالوجاهة . لذلك تعتبر المنطقة مفضلة للبائعين المتجولين واصحاب العربات ممن يبيعون الخدمات ، مثل ابو الكاز ، وابو الثلج ، وابو مكائن الجرش والبرغل ، لسهولة الدخول اليها من الشارع حيث مسجد الامام ابراهيم ، والزقاق ايضا مستقيم ومبلط وليس فيه عقبات بالنسبة لأصحاب العربات ، وسهولة تعاملهم مع اصحاب البيوت ، وربما لبعض اليسر والسخاء ( البحبحة) . كما أن الخدمات الحكومية ايضا كانت سريعة الوصول ، فخدمة التلفونات قديمة وصيانة الكهرباء وغيرها . وايضا منسق عام لنوع من المواعيد الغرامية في القنطرة ، دون ان يشعر ، وذلك عبر اغرائه بشراء الحلوى منه ، وذلك بان يوصل رسائل او برقيات مستعجلة، او يردد نوع من النغمة يفهمها المتلقي الاخر على اللاسلكي، وكان هذا الترتيب حقا مما يبعث على الضحك لسعة حيلة العشاق ولظرافتهم ” ( انتهى النص ).
أود ان اعلق على النص في اعلاه قليلا ، فربما اخالف الاخ اسامة في الذي قاله او وصفه ، فالقنطرة غير مخيفة ابدا ، وقد مررت بها في طفولتي عدة مرات ، واتذكر انني مررت بها لآخر مرة قبل اربعين سنة ، وقد اصبحت مكب نفايات لاحقا بسبب اختلاف الناس فيها بغير الناس القدماء .. ولم ازل احتفظ بمعلومات تاريخية عن طبيعة ذلك المكان وسوسيولوجيته السكانية ذلك ان البيوتات الكبيرة المرتبطة بمحلة الامام ابراهيم كانت ذات طبيعة ارستقراطية من الاعيان القدماء او متوسطة عليا من التجار وذوي الاصناف المهمة ، اذ قطنها الاغوات القدماء امثال آل زبير اغا والاغوات الديوه جية والجلبية من امثال آل الفيل وآل الصابونجي وآل الجادر والافندية من امثال آل الفيضي ( وهم قدماء في المحلة وبرز منهم القاضي عبد الله افندي ومن ثم القاضي نشأت افندي الفيضي ) ، واذا مضينا في اعماق الزقاق لوجدنا هناك بعض السادة من آل النقيب .. واذا مضينا بالاتجاه الاخر نحو النبي جرجيس سنرى بيوت الجلبية من آل حمو القدو وآل جلميران ، ولكن لم تخل المحلة من ابرز الاسر التي اشتهرت بمهنها واصنافها المهمة في الموصل كآل الصراف وآل الشيخ علي وآل الملاح وآل الصائغ وآل الشاكر وآل حموشي وآل الجريسي وغيرهم ..
مرة اخرى ، اريد القول ان المقصود بالديوه جي ليس عثمان افندي بل بيت علي اغا ( وكان الناس يسمونه بيت عالياغا ) وبيت الاخ الاصغر له قاسم اغا .. ان هذه ” المحلة ” هي جزء من محلات الموصل القديمة الاولى ضمن سورها الاول وكان الى جانبها كل من محلة باب النبي وحوش الخان والقليعات وباب الجسر وباب السراي حتى باب الطوب ومحلة جامع خزام والسوق الصغير والخاتونية .. وغيرها أي المسافة المنحصرة بين الجامع الاموي الكبير ( المصفّي ) والجامع النوري الكبير.. ولقد انجبت هذه المناطق القديمة عوائل وشخصيات مهمة كان لها دورها في التاريخين السياسي والحضاري لكل العراق الحديث ، كما انجبت على امتداد القرنين التاسع عشر والعشرين نخبا من الوزراء والقضاة والعلماء والادباء والضباط والكتاب والاساتذة والمعلمين سواء على العهد العثماني ام العهد الملكي ام العهد الجمهوري في العراق الحديث .

مصير المحلة والقنطرة
يستطرد الاخ اسامة قائلا : ” أحيلت قنطرة الجان سريعا على التقاعد ، وخذلها سكان المنطقة الذي غادروا المنطقة باكرا متوزعين في الاحياء الحديثة ، وسكنها بعدهم الاومرية والكويان والتنَّة ، لانهم تحلقوا باكرا في ضواحيها ، واصبحت الان تقريبا معقلا وسكنا مميزا لهم ، وبسكن هؤلاء للمنطقة وتداخلهم الاجتماعي مع بعضهم بشدة وزخم ، اصبحت القنطرة مبعث قلق ومشاكل لهم ولغيرهم . فقاموا بإغلاقها من الجهتين ، وبنوا عليها حائطا اسمنتيا ، قيل انه لتعزيز الاسس كي لا تسقط و قيل ايضا انه الاهمال الواضح والظاهر في صيانة الابنية والمعالم التاريخية . شأنها في ذلك شأن مئات القناطر ، التي تروي تاريخ هذه المدينة . وايضا اجتزت من القنطرة الاخرى (قنطرة بيت الديوه جي ) بعض اجزائها ، لأقاويل عدة ايضا و ويبدو أن الهدم والاغلاق هو اسهل طرق الصيانة ومريح للدماغ والكسل الاداري ” ( انتهى النص ) .
دعوني اقول بأن هذا كله صحيح ، ذلك ان كلا من عامي 1958 و 1959 كانا حدا فاصلا بين زمنين اثنين في متغيرات مجتمع مدينة الموصل ، وخصوصا تراكيبها السوسيولوجية عبر القرن العشرين : زمن الثوابت والتعايش والمحبة والمكانة والنظافة والاحترام المتبادل بين المسلمين والمسيحيين بمختلف مذاهبهم وطوائفهم واليهود ، او بين العرب والكرد والتركمان .. الخ والانتقال الى زمن الفوضى والسحل والقتل والتداخل وفقدان المكانة الاجتماعية واكتساح الغرباء والطارئين .. كنت الاحظ وانا صبي يافع مجموعة من المهاجرين الكويان ومن يسمون باهل تنّه يتكاثرون في شارع باب النبي ، وخصوصا عند بوابة الامام ابراهيم مع عربات الدفع ، وعربانات الدفع يجرونها بأنفسهم ، ويسهل دخولها الى الازقة من اجل التحميل ، فكان اغلبهم من الحمّالين والعتالين واصحاب عربانات الدفع .. كانوا اقوياء جدا بحيث يجر واحدهم عربة كاملة محملة بالاثقال ، او يحمل احدهم على ظهره كيسا ( : كونية بالمصلاوي ) يزيد وزن الواحد منها على مائة كغم ! عربيتهم مكسّرة وكلهم من المهاجرين القادمين من قرى ماردين ومرعش ونصيبين وباشكوي وسيلوبي وجيكوركا وديروكلو واورتاكوي وغيرها .. وكانت الموصل محطتهم الاساسية ، فهي عاصمة الاقليم الاقتصادية .. وقد بقوا سنوات طوال من دون اوراق رسمية تثبت عراقيتهم ، وكانوا يزدادون مع توالي الايام .. ومع بدايات العهود الجمهورية في النصف الثاني من القرن العشرين ، بدأ الكويان يخترقون الموصل القديمة ليشتروا البيوت القديمة الصغيرة ، ويكبسوا انفسهم فيها ، وتزداد مواليدهم بشكل كبير وينتشرون في كل مكان ! ثم بدأ تدفق العربان على الجانب الايمن واستمر تدفق الكويان على الجانب الايسر ايضا لتتشكل احزمة سكانية واسعة ، على الطرفين .. في حين غدت تلك الازقة الداخلية التي كانت نظيفة ومتجانسة موطنا لا يهتم بها احد فازدادت الأزبال والاوساخ والقاذورات ، وبدت تلك الزوايا مباول تزكم روائحها الكريهة الانوف ! لقد طغا التوحش الحقيقي على تلك المناطق القديمة ببيوتاتها المتلاصقة وازقتها الضيقة والتي كانت فيما مضى جميلة جدا سواء في ساعات الصباح والضحى .. او في ساعات الظهيرة واوقات القيلولة او عند العصر والامسيات .. كانت انعكاسات الشمس على زواياها وكانت الازهار التي تزرع في السنادين المنتشرة في كل حوش من كل بيت وكانت رائعة تلك الرواقات والايوانات واليازلغات والمطبخ وبيت الكرن ( الذي تخزن فيه الحبوب والاغذية والسمن .. فضلا عن جمال شبابيك الغرف الحديدية المشبكة .. ويحلو النوم واخذ القيلولة في ايام الصيف القائظ في السردايب الباردة ( الرهرات : جمع رهرة ) ، او شرب الشاي في الركن المعهود من البيت ، وانت تمضي في أي زقاق تسمع صوت المذياع من هنا ، وتشتم روائح الطبخ من هناك .. انها بانوراما الموصل القديمة الجميلة التي عشناها في طفولتنا وعاشها من قبلنا الاباء والاجداد العظام .

واخيرا : انتقال الرعب من قنطرة الى مدينة
لقد راحت وارتحلت تلك الايام الجميلة التي عشناها في طفولتنا بكل جمالياتها وروعتها ودخلنا في زمن متوحش كئيب .. لقد رحلت تلك الاجيال الموصلية الوديعة المحترمة التي عاشت حياتها متحابة ومتعايشة ومتعاونة بكل مكوناتها واديانها واطيافها واساليبها المشتركة وتقاسمت العسر واليسر في كل محلات الموصل القديمة بكل مستوياتها .. واليوم تبددت كل تلك المعاني الخصبة مع توالي سلاسل المآسي وهجمة كل الموبقات .. واذا كانت المخلوقات الشريرة كائنات خرافية في الذاكرة الموصلية القديمة ولم يكن لها أي وجود في الحياة سابقا ، فإنها اليوم كائنات مخيفة في حقيقة الامر ، وهي تجتاح الحياة وتدمر كل المعاني والاشياء وتعبث بكل الاصلاء .. وتزرع الرعب والخوف في كل مكان ! وتحولت قنطرة الجان من منطقة مخيفة في الذاكرة الموصلية الى مدينة كاملة مزروعة بالرعب في ارض الواقع لا في وهم الخيال .

تنشر خصيصا على موقع بيت الموصل
http://www.baytalmosul.com/15751583-1587161015751585-1603160816031576-157516041580160516101604.html

ويعاد نشرها على موقع الدكتور سيار الجميل
www.sayyaraljamil.com

حقوق النشر محفوظة لمؤلف كتاب ( حقيبة ذكريات ) د. سيار الجميل

شاهد أيضاً

untitled

الاشجار تحيا .. والبشر تقتله المجانين !

اثارت مقالتي السابقة قبل يومين ” موت أرنب ”  خلجات الكثيرين عن اسلوب  كندا دولة …