الرئيسية / الرئيسية / قراءة نقدية في موسوعة اعلام الموصل في القرن العشرين الحلقة الاولى اخطاء في توثيق معرفي مثير للجدل

قراءة نقدية في موسوعة اعلام الموصل في القرن العشرين الحلقة الاولى اخطاء في توثيق معرفي مثير للجدل

الحلقة الاولى
اولا : مقدمات
كنت قد نشرت مقالة نقدية بعنوان ” ملاحظات منهجيّة على موسوعة بايوغرافيّة ! ” في جريدة الزمان اللندنية بتاريخ 7 ديسمبر / كانون الاول 2009 ، وقد عنيت وقصدت بها ” موسوعة اعلام الموصل في القرن العشرين ” لمؤلفها الدكتور عمر الطالب – رحمه الله – لما وجدته فيها من الاخطاء والهنات والمغالطات والانتحالات والنقوصات ، فهي في الحقيقة ، لا ترقى الى تسميتها بـ ” الموسوعة ” ، كما انها بعيدة كل البعد عن البحث العلمي او الامانة العلمية ، فهي مضطربة جدا من اولها الى آخرها ، ولا يمكن ان يعتمد عليها ابدا ليس من قبل الباحثين والمؤلفين حسب ، بل حتى من قبل القراء العاديين ، وباستطاعة أي باحث جاد ومدقق ان يتفحصها مليا ليرى حجم ما وقع به مؤلفها رحمه الله من اخطاء .

لقد كنت قد وعدت القراء الكرام جميعا ان انشر نقدا وتعقيبا مطولا يشتمل على ملاحظات وتصويبات ليس نيلا من صاحبها وهو اليوم في رحاب الله ، ابدا ، ولكن خدمة للباحثين والمستفيدين الذين يرومون التوقف على معلومات صحيحة وواضحة وموضوعية . والمعروف ان حدوث أي خلل موضوعي اساسي في أي كتاب أو بحث او موسوعة او مقال .. فان ذلك يكفي لكي يكون فاقد الثقة من قبل الباحثين والقراء اجمعين ، اذ لا يمكن الاعتماد عليه ابدا كيلا تتواتر الاخطاء ويتناقلها الناس ، واذا حدث ان اخطأ باحث مرة او مرتين او ثلاث فليس في ذلك عيب ابدا ، ولكن ان تزدحم الاخطاء بشكل لا يصدق ابدا ، فانه يعد كارثة حقيقية في البحث العلمي والتأليف الموسوعي ، وخصوصا وان الكتاب قد اّتم تأليفه رجل قضى حياته كلها في التأليف والقراءة والبحث العلمي ، وكانت له مكانته في المجتمع ، ومحبته في قلوبنا ! كما انه لم يكتب موسوعة في اعلام بلد بعيد عنه وبعيد عن مصادر معلوماته ، فهو كتب موسوعته عن اعلام الموصل في القرن العشرين في الموصل نفسها ، وتكاد تكون كل مصادره ومراجعه فيها !
كنت اتمنى مخلصا ان يكون مؤلفها على قيد الحياة كي يطلع على هذه النقدات والملاحظات ليقوم بتصويب ما وقع فيه من هنات واخطاء ، والانسان كما نعرف ليس معصوما من الخطأ ، ولكن الخطأ ان يصّر المرء على بقائه في دائرة الخطأ .. وعليه ، فلا مجال امامه او امام غيره الدفاع عن اخطاء لا يمكن تبرير حدوثها ابدا ، ونحن نتكلم في سير تاريخ قريب عمره مائة سنة فاتت وقد عشنا النصف الثاني منها ، وعرفنا الناس فيها وقرأنا او سمعنا عنهم .. وارجع لأقول بأن هذا النقد والتصويب قد تأخر لأكثر من ثلاث سنوات عن موعد نشره كي لا يقال انني انال من مؤلف ولم يمض على رحيله الا قليلا .. كما اود القول بأن هذه ” النقدات والتصويبات ” لا تأتي مشاركة الاخرين امتعاضهم او معارضتهم لما تضمنته الموسوعة من اضطرابات لا يمكن ان تصدر ابدا عن باحث مبتدئ ، فكيف بها وقد نشرت من قبل مؤلف وهو على قيد الحياة وقد وصفه البعض بالعالم العلامة والمبدع والفهامة وسقراط زمانه ؟؟ انني اذ انشر هذه النقدات خدمة للعلم والمعرفة والعلماء لا يسعني الا ان اقول بأنها منقطعة تماما عن الماضي الذي جمعني بالمؤلف سواء ابان علاقتنا السلبية ابان السبعينيات من القرن العشرين او ابان صداقتنا وزمالتنا الجامعية ابان التسعينيات من القرن الفائت .
وعليه ، فمن يريد الدفاع عن هذه ” الموسوعة ” وعن مؤلفها – رحمه الله – ، فعليه اولا ان يتفحّص ما سأكتبه هنا فحصا دقيقا ، ثم يبدأ الدفاع عن كل ما سأنشره عن ” الموسوعة ” دون ان يجتزئ منها شيئا ويترك اشياء .. وعليه ، قبل ان يجرد قلمه لمهاجمتنا او الاساءة الينا ان يكون ملما بمنهج السير وكتابة التراجم وعلم البايوغرافيات .. وعليّ ان اقول ، بأن العلم لا يعرف علاقات شخصية ولا عواطف بين خصوم او اصدقاء ولا احياء او متوفين فكل منّا سيرحل في يومه وساعته عندما يحين اجله ويترك عمله للأخرين لفحصه وقراءته ونقده سواء بعد سنة او بعد مئات السنين .. انني لم اقصد الاساءة للمؤلف ابدا والله يشهد على ما اقول بقدر تلبية ما يفرضه عليّ ضميري في خدمة المعرفة والعلم واثراء ما هو صواب في تاريخ مدينتنا الموصل الحدباء ام الربيعين ومجتمعها رجالا ونساء وخدمة الاجيال القادمة ، اذ لا يمكن لكل من يمتلك أي ضمير حي ان يسكت على الخطأ ابدا ، ومن اجل التنبيه الى مواطنه ، ولكي لا يبقى ذلك الخطأ مكررا ومتواترا تتناقله الاجيال دون معرفة الحقائق التي لها مصداقيتها بعد اكتشاف الاخطاء وتصويبها او التنبه اليها . انني ابحث عن المفترض في النص الذي تركه المؤلف رحمه الله ، ولم اتعّرض له ، فمن يريد ان يوضح حقائق او معلومات ضمن اطار النص فسوف نسمعه ، ومن تمادى في هجومه وتكلم بالضمير المستتر ، وبرع في توصيفاته السيئة ضدنا ، فسوف لا أرد عليه ابدا ..
واذا قال احدهم بأن الموسوعة نافعة في الاعم الاغلب برغم ما فيها من هنات واخطاء ، وانها تخدم تاريخ مدينتنا وبلادنا وأمتنا ، فأقول لهذا : نعم ولا ننكر ذلك ابدا اذا كانت قوية في منهجها ، ثرية في مصادرها ، رائعة في مصداقيتها .. ولكن ان لم تكن كذلك ، فإنني اتساءل : كيف يمكننا ان نعتمد على اية مادة تتضمنها مثل هذه ” الموسوعة ” ، ونحن نقف في ثناياها على اخطاء لا يمكن السكوت عليها ، ومن يسكت عليها فكأنه سكت على كلّ ما فيها من غث ! والساكت عن الحق شيطان اخرس . واذا قال احدهم : بأن ظروف المؤلف كانت صعبة جدا في ان يقدّم نصا خاليا من الاخطاء والهنات ، فأقول : بأن من يجد نفسه غير قادر على التدقيق والفحص والتثبّت والتأكد من المعلومات والتأكد من بعض السير العادية والمضخمة التي منحت له من قبل البعض واقربائهم ، ويرى ان ظروفه لم تسعفه على اصدار أي نص مفيد ودقيق وامين ، فليحجم عن النشر وليترك المسؤولية يتحملها غيره ممن يجدون في انفسهم القدرة على تحمّل المسؤولية امام الله والناس والتاريخ .. والعتب موصول للجهة الرسمية ( الاكاديمية ) التي تبنّت نشر هذا ” العمل ” ، وفات عليها ان تخضعه للتقويم العلمي والتحرير والفحص والتدقيق ، فهي مشاركة في تحمّل المسؤولية كاملة .. ناهيكم عن ان أي عمل موسوعي لا يمكن ان يكتب بعجالة وهو بحاجة الى سنوات من العمل الجاد والمنظم والشمولي ان كان فرديا ، او ان يكون عملا جماعيا يشترك في انجازه طاقم من الباحثين المختصين المؤهلين ..

لماذا هذا ” النقد ” ؟
كان احد الأصدقاء الاكاديميين العراقيين قد ارسل لي بالبريد الإلكتروني كتابا نشر الكترونيا بعد نشره ورقيا من قبل جامعة الموصل ، وهي مؤسسة علمية عراقية عريقة وكانت لها مكانتها المرموقة سابقا ، ويمثّل الكتاب المذكور ” موسوعة ” محلية تتضمن تراجم عدة لأعلام الموصل في القرن العشرين ، والموصل – كما تعرفون – واحدة من اشهر المراكز العلمية العريقة في تاريخنا الحضاري ، ولكن كيف وافقت جامعة الموصل على نشر هذه ” الموسوعة ” وتكون احدى اصداراتها ، وهي بهذا المستوى . لقد كنت قد سمعت بصدور تلك ” الموسوعة ” قبل أشهر من تسلّمي اياها ، وأنها كانت قد سببّت ضجة واعتراضات شديدة من قبل العديد من المثقفين الموصليين والأسر المحلية في المدينة ، لأسباب عديدة وان مؤلفها الدكتور عمر الطالب كان على قيد الحياة قبل رحيله رحمه الله .. ولقد سررت بنشر هكذا ” موسوعة ” كونها ستخدم لا محالة الأجيال القادمة في التعرّف على تراجم وسير العشرات من الشخصيات الموصلية المتنوعة ، التي قدمت أدوارها وخدماتها وإبداعاتها للحياة والتاريخ ، ولكن بعد ان اطلعت عليها ، تمنيت مخلصا انها لو نشرت وهي قليلة الهنات ، مصوبة للأخطاء ، ومحررة بشكل منهجي وعلمي ومعدومة من السرقات ، وأكثر استكمالا للشخصيات ، وانها قوية الخطة ويقوم منهجها على الدقة والثبات ، وان صاحبها ومحررها قد اتبّع الأمانة التاريخية والموضوعية العلمية والتوثيقات ، والمفروض ان يبتعد مؤلفها عن اية نزعة ذاتية في تقييم الناس حسب مزاجه وتوزيع احكامه على بعض الشخصيات ! وان يكتب نصوصها بنفسه ، لا ان يأخذ ما كتبه عن نفسه مع هذا او ضد ذاك او ما سجله من قيل وقال ، او ما منحه البعض من سيرهم لينسخ المؤلف كل المواد من دون اية دراية سواء كانت مختصرات او مطولات لا معنى لها .. ويختلط امر من لم يكن علما بسعر من كانوا بالفعل اعلاما ورموزا ، او تختفي اسماء كبيرة من الاعلام الحقيقيين ويظهر بدلهم اصحاب اسماء لا يعرفها حتى ابناء البلد انفسهم ، بل وان بعضهم لا يمت للموصل بأية صلات !
من جانب آخر ، وهو من الخطورة بمكان اننا وجدنا المؤلف قد سأل كل من كان يلتقي به ان يكتب له سيرته او يكتب عن احد معارفه ، ولما وصلته تلك ” المواد ” قام بجمعها ونشرها من دون التدقيق فيها ولا حتى قراءتها .. وبهذا الصدد يشير الدكتور جزيل عبد الجبار الجومرد في مقابلة اجريت معه قبل ايام ( 18 شباط / فبراير 2013) الى مثل هذا التصّرف من دون ان يحدد مؤلف الموسوعة بالذات ، قائلا : ” . كما لجئ في أحيان أخرى إلى الإفراط في التمجيد والتشويه والتبديل لإظهار أشخاص أو فئات بمظهر غير ما كانت عليه حقا. منهج بعضها ليس مما يعول عليه، ومصادر بعضها غير موثوق، صار البعض يرسل إلى فئات من الناس يطلب منها ان تعرف ببعض اقاربها او بنفسها ثم يجمعها وينشرها على علاتها دون نقد أو تمحيص، فمجد كل ذاته، وتناسى ذكر محاسن خصومه وتجاوز عن سلبيات نفسه وربما زور وبرر. ولكن لم نعدم اعمالا رائعة في الفترة الأخيرة عن تاريخ المدينة لمؤلفين غير أكاديميين على درجة من الدقة والقيمة من اجملها موسوعة اعلام الموصل في مجلدين ممتازين في اعلام مدينة الموصل حتى نهاية القرن التاسع عشر، لمؤلفه السيد بسام الجلبي، ابن اخي الدكتور داوود الجلبي، ولا ننسى كتابه الاخر الذي حاول فيه جمع أشتات تراجم كتاب الازدي الضائعة. وكتاب أخر ذو خصوصية متفردة الأسر المسيحية في مدينة الموصل للكاتب والمعلم المتميز بهنام سليم حبابة ” ( الزمان ، 18 /2/2013) . وبهذه المناسبة ، احيّ ايضا الاستاذ الاخ بسّام الجلبي على موسوعته التي ادرك ادراكا عميقا كم تعب عليها منذ اكثر من ربع قرن وكان الرجل قد اطلعني في بيته على جذاذاته ونصوصه الموثقة واوراقه التي احتوت معلومات موسعة ومؤكدة عندما زرته في بيته بالحي العربي بالموصل قبل سنوات طوال .

منهج كتابة السير والتراجم : الموضوع لا الذات !
كنت قد قلت في مقالتي التي نشرتها عام 2009 منتقدا موسوعة اعلام الموصل في القرن العشرين للمرحوم عمر الطالب : ” إن هذه ” الملاحظات ” هي بداية لما سأنشره لاحقا- بحول الله- من تفاصيل موسّعة تخصّ جملة تصويبات ، وذكر أسماء كبيرة من الشخصيات التي غبنها هذا العمل ، وتجاهلها تماما .. فضلا عن تحديد الدور الشخصي الذي أساء لهذا العمل مع نقد بعض المبالغات ونقد بعض الاتهامات ونقد الاستطرادات ونقد التهكمات .. إننا بحاجة ماسة إلى نقد الأخطاء بدل التعمية عليها ، ومجتمعنا بحاجة ماسة إلى أن يبدأ صفحة جديدة تنقلنا إلى موضوعية الأشياء ، وإعطاء كل ذي حق حقه .. وهي حقوق معنوية ورمزية ، ويهدف منها تأسيس انسجام اجتماعي تحتاجه مدينتنا اليوم قبل أي شيء آخر بدل ان تبقى ضمن قوقعتها وتناقضاتها التي اضّرت بها كثيرا .. سأكون على موعد معكم لوضع هذه ” الموسوعة ” على المشرحة .. فلننتظر ! ” .. ان ثمة ردود فعل قد صدرت عن اناس لن تنفع دفاعاتهم كون ” الموسوعة” ليست تراجم تاريخية ، بل ادبية ولا اعرف ان ادب التراجم الا من اصناف علم التاريخ ، وثمة ضوابط في كتابة السير وتراجم الاعلام ، اذ لا يمكن ان تكون كتابة التراجم والسير مزاجية وهي تتصل بحياة الناس وسمعتهم وتواريخهم .. ولعل اهم ما يعتز به الانسان هو سيرته سواء كان ذلك ابان حياته ام بعد مماته . وعليه ، فإنها لو كانت ادبية لا تاريخية ، فلينشرها صاحبها في كتاب يحكي فيه تجربته مع اشخاص ليمجّد هذا ويسخر من ذاك او يفخر بهذا ويتهكم على ذاك ، ولكننا امام عمل جمع عشرات التراجم لآناس متنوعين في كتاب اطلق عليه ” موسوعة ” !
وعليه ، ليسمح لي القارئ الكريم أن أوضّح في دراستي هذه بعض الملاحظات المنهجية قبل انتقالي لنقد هذا ” العمل ” نقدا تفصيليا ، وتفكيكه تفكيكا اوليا ، وأضع هذه ” الموسوعة ” على المشرحة ! نعم ، أتمنى أن يخضع هذا ” العمل ” للنقد والتقويم العلمي من قبل غيري ايضا ، مما يستوجب تصويبه خدمة لتاريخ مدينتنا العريقة ومجتمعها .. إن هذه ” الملاحظات ” تخّص كل من يعنى بأدب التراجم ومنهج السير والبايوغرافيا والمؤرخين والادباء وكل ابناء المجتمع من المهتمين والمثقفين .. دعوني احدد بعض الملاحظات التي اتمنى ان تقرأ قبل الشروع بعرض النقدات وتصويبها .. متمنيا ان تبقى نصوص هذه ” الموسوعة ” عرضة للدراسة لتصويب تفاصيل واسعة عن صفحات تضمنت جملة هنات فاضحة وأخطاء جسيمة ومشكلات كبيرة ..
فما هي ملاحظاتي المنهجية الأولى ؟

للبحث صلة .. انتظروا الحلقة الثانية
نشرت في الف ياء جريدة الزمان الطبعة الدولية يوم 19 آذار / مارس 2013
http://www.azzaman.com/?cat=9

شاهد أيضاً

هل تعود الموصل إلى الحياة.. كما هيروشيما؟

خرجت الموصل، مدينةً وشعباً، من تحت بطش “داعش” بأثمانٍ غاليةٍ جداً، بعد أن قامت أربع …