الرئيسية / مقالات / جمال عبد الناصر بعد أربعين سنة .. رحل ولم يعد !

جمال عبد الناصر بعد أربعين سنة .. رحل ولم يعد !

مّرت قبل أيام ذكرى مرور 40 عاما على رحيل الرئيس جمال عبد الناصر ، وهي مرحلة زمنية كافية ، لكي يغدو هذا الرجل في رحاب المؤرخين ، بعد أن تنازعت الدنيا كلها ، وفي مقدمتهم العرب حول جمال عبد الناصر ، وانقسموا إزاءه إلى قسمين اثنين .. فمنهم من يسمو به نحو الذرى ليغدو مقدسا عندهم ، ومنهم من يحمل إزاءه حقدا وكراهية لا توصف .. وكلها جراء عوامل سياسية مستمرة منذ عهده حتى اليوم . إن الرجل الذي لم كان اسمه ورسمه وموضوعه ومواقفه في عهده مثار انقسام سياسي ، لكي يتعّصب هذا له ، أو يحمل ضده ذاك .. سيدخل عليه اليوم ، وما سيلينا من الأيام في قابل وبعد أربعة عقود على رحيله إلى رحاب المؤرخين ، فهم الذين سيقولون كلمتهم من خلال معرفة سيرته بدقة ، واستجلاء حقائق تخصّه لم تزل مخفية .. فضلا عن أن مؤيديه أو خصومه الذين عايشوا زمنه في كل من الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين في طريقهم للرحيل .. ولم يبق إلا معالجات المؤرخين ونصوص الوثائق وتحليل الأبعاد في سيرته وكل تاريخه .. مع تشخيص ايجابياته وسلبياته ، وخصوصا ، عندما ينظر المؤرخ إلى حصيلة عهد سياسي كامل ، ويكّون رؤيته الواضحة من خلال قراءة وثائقية ومنهجية معمقّة ، فالأمانة العلمية مطلوبة في قراءة سيرة جمال عبد الناصر ، وهي سيرة لم تزل بحاجة إلى فهم المؤرخين المستقلين واستخدام مناهجهم التحليلية والمقارنة .
لا شك أن عبد الناصر كان يتمتع بشخصية كاريزما مؤثرة لها ريادتها السحرية التي استقطبت عواطف الناس ، فكان أن غدا رجل المرحلة الذي لا ينازع أبدا .. وبات الناس في عموم الأرض العربية يتلهفون لسماع خطب عبد الناصر ، وكان قد حباه الله نبرة موسيقية جذبت إليه الملايين .. وفي الوقت الذي كان عبد الناصر قد وصل ذروة قوته وتصفيق الملايين له ، بل ووصل بعض المتعصبين له أن يجعله قديسا أو ملاكا أو نبيا .. فعدّ مبعوثا إلهيا نزل من السماء ليقوم بتحقيق الأهداف المتمثلة بالحرية والاشتراكية والوحدة ، وينادي بالقومية العربية التي كانت قد وجدت نفسها من قبله ، ولكنه استحوذ عليها ، فغدت إيديولوجية كل القوميين بمختلف تياراتهم وأحزابهم من اجل الوحدة العربية من المحيط إلى الخليج .. وبالرغم من أفولها اليوم ، ولكن لم يزل كل القوميين الناصريين والبعثيين والحركيين يؤمنون إيمانا راسخا بانتصار القومية العربية في يوم من الأيام .. ولكن السؤال : هل بقي العالم الذي نعاصره اليوم بنفس مقاييس الأمس ؟ بل ويفترض بعض الكتاب القوميين سؤالا يقول : ماذا لو بقي عبد الناصر يحكم حتى يومنا هذا .. لما أصابتنا كل هذه الأهوال !! وهذه مجرد رؤية غير واقعية لمتغيرات التاريخ التي كانت ستجبر عبد الناصر على أن يغّير مواقفه السياسية لا المبدئية ، ولوجدناه اليوم يتعامل مع الظروف الجديدة للمرحلة الأخرى التي غدت بيد أجيال تختلف تماما عن جيل الأمس .
إن عبد الناصر لا يمكنه أن يحكم مصر ويغدو له كل هذه الهالة الكبيرة ، إن لم يكن له تأثيره الكبير في حياة العرب والعالم أولا ، ولكن ما كان ذلك يمر ، ويبقى عبد الناصر له ايجابياته حسب ، ولم تكن له أية سلبيات ثانيا ! فهو بشر يخطئ ويصيب ، خصوصا ، وهو الذي تمتع بأحلامه ومثالياته ، وتوّهم الخيال حقيقة ليتعامل معها بعيدا عن ترسبات التاريخ وخصوصيات المجتمع وتباينات الواقع .. صحيح أن الأهداف التي نادى بها رائعة ويرتاح لها الجميع كون الأمة العربية ستتوحد من خلاله ، وان الاشتراكية ستطبق من قبله ، وان الحرية ستتحقق لا محالة ، وسواء اقتنع هو نفسه بذلك أم لم يقتنع ، فان الملايين من الناس ، قد توهمت ذلك وهما شديدا ، وعبثا ذهبت محاولات زعماء عرب معه ، كانوا أكثر واقعية منه أن يخالفونه الرؤية والتفكير ، لا الأهداف والأمنيات ، ولكنه ناصبهم كل العداء !
إن عبد الناصر رجل مرحلة أيضا ، لم يشغل اسمه فضاءنا العربي فقط ، بل تخطاه إلى العالم الثالث باسم حركات التحرر التي كان أحد أبطالها وقت ذاك ، وساهم في تطورها ، كونها تسعى لخلاص الشعوب المضطهدة من التبعية والاستعمار .. ونجح الرجل رفقة زعماء متميزين في العالم الثالث من تأسيس حركة عدم الانحياز التي تقوم على مبدأ الحياد الايجابي . وعليه ، فان عبد الناصر وصحبه المؤسسين كان لهم موقفهم من الحرب الباردة بين المعسكرين الشرقي والغربي لتفرز تلك ” الحركة ” التي رحلت مع رحيل مؤسسيها وفي مقدمتهم عبد الناصر .. ولم تكن النتائج التاريخية لذلك ، إلا إخفاقا بدليل انحسار عدم الانحياز ورحيلها مع رحيل الاتحاد السوفييتي ! ولم يقتصر الأمر عليها فقط ، فقد رحلت ظواهر عديدة وأحداثا مريرة مع نهايات القرن العشرين .
إن فلسفة الثورة التي آمن بها جمال عبد الناصر قد جاءت هي الأخرى في إطار مرحلة ازدحمت بمصطلحات : الثورة والثوار والعمل الثوري والنضال الجماهيري والاشتراكية وقوى الشعب العامل .. الخ من المفردات التي ماتت ولم نجد لها أثرا اليوم ، ليس في مصر وحدها ، بل في كل منظومة العالم الثالث بعد زوال الصراع بين الشرق والغرب وولادة صراع من نوع جديد ليس بين الرأسمالية والاشتراكية ، بل بين عالمي الشمال والجنوب ، أي بين عالم غني وعالم مسحوق ! فما الذي قادت إليه ” الثورات ” التي سمعنا ملاحمها سياسيا وإعلاميا في الشوارع ومحطات الإذاعة ؟ وما النتائج التي خلصت إليها تلك ” الثورات ” العربية ( التي هي مجرد انقلابات عسكرية على أنظمة حكم ) باستثناء ثورة الجزائر ؟ وأين هي اليوم ؟ ما فلسفة الثورة في بلدان آمنت بالتحولات والكلام الكبير .. وأين غدت اليوم ؟ ما الذي سيقوله الرئيس جمال عبد الناصر لو صحا اليوم ووجد ما حصل في اليمن والعراق ولبنان والسودان والجزائر .. الخ ؟
لا غرابة أن يبقى العديد من الناس يذكرون عبد الناصر بأطيب الذكر .. ليس لخصاله الشخصية ، إذ كان ـ رحمه الله ـ نزيها وعفيف النفس وزاهدا ومهموما ونظيف الأخلاق يعتز ببيته وأهله .. كان قنوعا بما له وما عليه ، إذ كان باله مشغولا بقضايا الأمة قاطبة .. ولكنه من جانب آخر ، وجد أن لا احد يمكن أن يعارض رأيه ، أو يخالف قراره .. عشق الرئاسة والريادة والزعامة وتصفيق الجماهير المدوي .. خلق جيشا من الإعلاميين واوجد مؤسسة إعلامية هائلة ، وجعل كل المطربين والمطربات يغنوّن له كبارا وصغارا .. وبالرغم من قوة كلمته ، وثبات موقفه ، وصلابة إرادته .. إلا انه كان يسهب كثيرا في خطاباته ، بل ويطنب بكلام وشعارات لا أساس لها من الواقع ، وأثارت خطاباته واتهاماته انقسامات واسعة في المحيط العربي ، وخلقت أجواء عاصفة ووصف كلامه بالتدخل المباشر والعلني السافر في شؤون الآخرين ، فضلا عن مباركته للانقلابات العسكرية بهدف التحولات والقضاء على الرجعية وأذناب الاستعمار، ولكنها اعتبرت جنايات تاريخية في بعض البلدان .. حارب اسرائيل في عامي 1956 و 1967 مع استمرار العلاقات السيئة بكل من إيران وتركيا ، ليس بسبب تحالفهما مع إسرائيل ، بل بسبب قوتهما المؤثرة في ميزان الشرق الأوسط !
عبد الناصر كان مصريا حقيقيا ، أحب مصر وعشقها .. أحب الفقراء والفلاحين ، وكره الأعيان والباشوات ، حقق الإصلاح الزراعي ، ووزع الأرض على الفلاحين ، وأممّ الاقتصاد .. قام ببناء السد العالي ، وطوّر الصناعة المصرية ، وشهدت مصر في عهده انفجارا سكانيا ، وبسبب الحروب والنفقات الإعلامية والسياسية ، انخفض سعر الجنيه المصري مقارنة بالذي كان عليه سابقا ! طّور الجيش والقوات المسلحة ، وجعل من القاهرة مركزا دوليا سياسيا حافلا بالأنشطة والفعاليات .. اهتم بتعليم المصريين وإدخالهم إلى المدارس ، ولكن المستوى العلمي انخفض في عهده ، فضلا عن فتحه عدة جامعات ، وزاد من حملة الشهادات العليا على حساب النوع .. استمرت الحركة الفنية قوية على عهده ، وشهدت مصر أنشطة كبرى في مختلف الاتجاهات .
أصبح جمال عبد الناصر موازيا لاسم مصر ، بل ربما اكبر منها ، ليس بسبب استحواذه على السلطة وقمع أي معارضة ، بل لأن الرجل أصبح بطلا قوميا منذ قام بتأميم قناة السويس عام 1956 ، وواجه العدوان الثلاثي ضد مصر ، وغدا اسمه مثار اهتمام كبير في العالم بسبب شخصيته المثيرة للجدل أولا ، وخلقه للمشكلات إزاء التحديات الاستعمارية ثانيا .. فإذا كان هذا الوجه مثار إعجاب المؤيدين ، فان الوجه الآخر قد اضّر بالتطور السياسي في مصر واغلب الدول العربية ، فقد اعتمد على نفسه وحده في صنع القرارات المصيرية والعادية ، وقمعه لكل من يخالفه كالأستاذ عبد الرزاق السنهوري وغيره .. ثمّ ضربه للدستور عرض الحائط واعتماده على الميثاق الذي جاء بأوامر منه .. كما وضربه للأحزاب السياسية وصحافتها ورجالاتها ، وخلقه الاتحاد الاشتراكي الذي تزعمه ، ناهيكم عن اعتماده على حاشية ومستشارين اضروا به ضررا بالغا ، ويكفي أن يكون المشير عبد الحكيم عامر احد أصدقائه المخلصين ليسلمه القيادة العامة للقوات المسلحة .. وهذا ما كان عند رجال آخرين في السياسة الداخلية أو الإعلام أو الصحافة أو المخابرات .. الخ لتكون النهاية المريرة في يونيو 1967 ، التي قبل بعدها مشروع روجرز للسلام مع إسرائيل .
من فضائل الرجل انه اعترف بالهزيمة ، بل وكان شجاعا في أن يقول للعالم بأنه المسؤول عما حصل ، وأعلن استقالته كي يكون مواطنا عاديا يمارس حياته بين الجماهير .. لكنه بقي في السلطة لأن الناس نزلت إلى الشوارع تطالبه بالبقاء .. تكاد تكون تلك الهزيمة بمثابة الهزة العميقة والجرح البليغ الذي طعنه ، ولكنه بقي مصّرا على الانتصار .. ومّصرا على الكفاح ـ كما كان يسميه ـ .. كانت المشاكل العربية تتفاقم والصراعات تتضخم .. إنني اعتقد أن الرجل بدأ يدرك حجم الأخطاء التي حصلت ، كما ويدرك عدم الأخذ بما كان يقوله زعماء عرب آخرون .. كان يحث الخطى سريعا نحو محو آثار الهزيمة والعدوان ـ كما اسماها ـ ، ولكنه ، في الحقيقة ، يحث الخطى ، نحو نهايته بعد حياة قصيرة مليئة جدا بالأحداث والمواقف والأنشطة والانجازات .. لقد رحل فجأة اثر سكتة قلبية يوم 28 سبتمبر 1970 ليشكّل ذلك ” الحدث ” أعظم بكائية في تاريخ مصر ، إذ خرجت الملايين تودعه الوداع الأخير .. ليبقى تاريخه صفحة مفتوحة أمام كل العالم .. للوقوف عليه ودراسته والاستفادة من تجاربه المعبرة ، ومن قبل المؤرخين الحقيقيين لا من قبل المفذلكين المزورين .
وأخيرا ، دعوني أقول بأن الرجل مات ميتة طبيعية ، ولا يمكن أن يكون قد قضى مسموما ، كما أشاع ذلك السيد محمد حسنين هيكل مؤخرا .. والتي اعتبرتها نكتة تأخر ميعادها أكثر من أربعين سنة ، لتأتي اليوم مثيرة للقرف والسخرية ، وهي تتهمّ رئيس بقتل رئيس بواسطة السم . يا لها من تهمة مضحكة ، وأين ؟ في مصر !
دعونا يا ناس نقرأ تاريخ عبد الناصر بأمانة وحيادية ، وكفى تشويها وتزويرا للحقائق التاريخية .

نشرت في مجلة روز اليوسف المصرية ، العدد 4295 – السبت الموافق – 2 اكتوبر 2010 ، ويعاد نشرها على موقع الدكتور سيار الجميل
www.sayyaraljamil.com

شاهد أيضاً

زعامات ورزايا .. ورئاسات بلا مزايا

 الزعامة غير الرئاسة، والرئاسة غير الإدارة، والإدارة غير القضاء. لقد مضى زمن الزعامات الحقيقية، وماتت …