الرئيسية / الرئيسية / كتاب بقايا هيكل.. الحلقتان -37- و -38-

كتاب بقايا هيكل.. الحلقتان -37- و -38-

الحلقة 37
الشرق الأوسط ضحية الحرب الباردة


تمهيد للموضوع
أتمنى على القارئ الكريم أن يسمح لي بتحليل جذور الصراع الدولي علي منطقة الشرق الأوسط،‮ ‬منطلقا من‮ “‬نص‮” ‬ردده الاستاذ هيكل لأكثر من مرة،‮ ‬لنقف علي حقائق الصراع من خلال مركزية القاهرة في بداية الامر،‮ ‬ثم انتقالها إلي بغداد بعد ذلك،‮ ‬خصوصا عندما أكد هيكل أن سنة‮ ‬1955‮ ‬هي أخطر سنة مرّت في الخمسينيات من القرن العشرين‮..
‬وكنت أتمني عليه مخلصا،‮ ‬أن يعطي لكل ذي حق حقّه تاريخيا،‮ ‬ذلك أن العروض الأمريكية ـ كما سنري من خلال ما سأقدمه من تفاصيل ـ قد عرضت علي أقطاب النظام الملكي القديم في مصر منذ مطلع الخمسينيات،‮ ‬ولكن مصر رفضت رفضا قاطعا شراكتها ضمن منظومة الدفاع،‮ ‬كما رفضت أي مساومات بشأن إجلاء الانجليز عن قناة السويس لقاء ثمن استقطابها لنظام دفاعي أمريكي عن الشرق الأوسط‮.. ‬كنت أتمنى علي الأستاذ هيكل أن يتوغل في الموضوع عميقا،‮ ‬ويتأمل فيه طويلا كي ينصف رجالات مصر الوطنيين الذين لم يفرطوا بالمصالح المصرية العليا،‮ ‬وأن يتكلم عنهم طويلا بحيث لا يجعل عام‮ ‬1955‮ ‬عقدة تاريخية يتزعمها بطل معين أو زعيم واحد‮!‬

كنت أتمنى عليه أن يقف وقفة مطولة أيضا إزاء الرئيس محمد نجيب،‮ ‬لينصف دوره الذي رفض فيه اي مساومة من أجل خروج الانجليز ودخول الأمريكان‮.. ‬كنت أتمني عليه أن يقف وقفة تحليلية مقارنة ليري متسائلا‮: ‬هل كانت مصر بالذات مهددة من قبل السوفييت حتى تقبل بالمشروعات الأمريكية؟ وهل كانت حسابات مصر ومشكلاتها تماثل حسابات العراق ومشكلاته مثلا؟ وما الفرق بين الحزام الشمالي للشرق الأوسط والمجاور للاتحاد السوفيتي،‮ ‬والمحادد له،‮ ‬وبين الحزام الجنوبي للمنطقة والذي تعتبر مصر علي رأسه؟

هل بدأت المعركة الخاسرة عام‮ ‬1952؟
لقد بدأت المعركة منذ العام‮ ‬1952،‮ ‬وليس اثر العام‮ ‬1956‮ .. ‬أي بعد انتصار الضباط الأحرار في مصر بانقلابهم العسكري ضد الملك فاروق‮.. ‬وبدأ افتراق كبير بين عاصمتين وصفها هيكل بالمعركة‮ ‬التي اعترف اليوم أنها‮ (‬خاسرة‮)‬،‮ ‬بل اعترف هيكل أيضا بتراجعه عن فهم سياسات باشا العراق نوري السعيد،‮ ‬بعد أن اشتد الغلو والحقد بين نظامين عربيين‮: ‬نظام ملكي عراقي ونظام جمهوري مصري وشهدت المرحلة‮ ‬1952‮ ‬و‮ ‬1958‮ ‬أعتي حرب عربية باردة بين النظامين‮.. وحتى بعد انتصار عبد الناصر بإزالة الضباط الأحرار في العراق للنظام الملكي،‮ ‬لم يكن شهر العسل طويلا،‮ ‬إذ سرعان ما اشتعلت حرب الإذاعات والخطابات والأغنيات الحماسية بين العاصمتين،‮ ‬وبين نظامين سميا نفسيهما بالثوريين‮.‬
إن هيكل عندما يعترف اليوم بالخسارة،‮ ‬لا يعترف بالأسباب الحقيقية التي قادت إلي الكارثة‮.. ‬إن هيكل الذي يأتي اليوم ليقول إنه الآن فقط فهم سياسات نوري السعيد‮.. ‬وكأنه يقول إن عبد الناصر كان علي خطأ،‮ ‬كونه لم يدرك تلك السياسات،‮ ‬أو أنه أراد أن يؤسس له مجدا علي حساب الأمة العربية التي توضح للجميع أنها كانت ولم تزل تعيش علي وهم‮ ‬الوحدة الطوباوية أو الوحدة الفورية‮ ‬وكلنا عاش رومانسية الشعارات وضجيج الخطابات وهياج الشوارع وتفاهة البيانات‮.. ‬تلك التي أودت كلها بمصيرنا يا هيكل‮..
تعترف اليوم بالخسارة من دون أن تعلن عن الأسباب الحقيقية التي كانت وراء تشتتنا وبعثرتنا وانتكاساتنا وهزائمنا‮! ‬تعترف اليوم بالخسارة،‮ ‬وكأن السياسات الهوجاء لم تفعل فعلها في تلك الملايين التي أبقيتموها تعيش على الأوهام حتى يومنا هذا‮! ‬تعترف بالخسارة يا هيكل وأنت تدرك جيداً‮ ‬مدي المجازفة في الوقوف حيال السياسات الدولية ونحن نعتمد جميعنا علي أن يسلحنا الآخرون،‮ ‬ويلعب بمواردنا كل الآخرين‮! ‬تعترف اليوم بالخسارة يا هيكل وأنت تدرك جيدا قبل أي شخص آخر،‮ ‬أن كل الانقلابات العسكرية التي حدثت في منطقتنا بعد الحرب الثانية كانت من ورائها خطط خارجية ومؤامرات القوي الجديدة في العالم‮!‬

من لحظة أمل إلى لحظة بؤس
تعترف بالخسارة اليوم يا هيكل وقد أدركت الآن جيداً‮ ‬من الذي كان صاحب سياسات واقعية،‮ ‬ومن الذي كان صاحب سياسات خيالية‮! ‬اليوم فقط أجدك تقول‮:
‬ “‬بعد‮ ‬55‮ ‬سنة‮.. ‬خسرنا المعركة ووصلنا من لحظة أمل إلي لحظة بائسة‮.. ‬وإن لم تكن يائسة في العام المتفرد‮ ‬1955‮ ‬دعا جمال عبد الناصر لعقد مؤتمر لرؤساء الحكومات العربية‮.. ‬وخرجت منه الدول العربية بين مجموعتين‮: ‬الأولي تؤيد رؤية العراق ونوري السعيد حول ضرورة تكوين حلف بغداد لمواجهة الاتحاد السوفيتي‮… ‬والثانية مع مصر وجمال عبد الناصر تتحدث عن ميثاق الضمان الاجتماعي والدفاع العربي المشترك في مواجهة إسرائيل‮” (‬نص هيكل‮).‬
قبل أن أناقش هذا‮ “‬النص‮”‬،‮ ‬لابد لنا أن ندرك أولويات التدخل الأمريكي في الشرق الأوسط بعد اتساع المصالح الأمريكية مع انتهاء الحرب الثانية،‮ ‬ولكي تملأ الفراغ‮ ‬الذي أحدثه تراجع بريطانيا عن قوتها الرئيسية في الشرق الأوسط‮. ‬وطرحت الولايات المتحدة الأمريكية،‮ ‬صراحة،‮ ‬موضوع إعادة توزيع ثروات العالم،‮ ‬وفي مقدمتها نفط الشرق الاوسط،‮ ‬علي أكثر أكثر توازنا بحيث أرسل الرئيس الامريكي روزفلت خطابا إلي السير ونستون تشرشل قال فيه‮: “‬لا أخفي عليك،‮ ‬أن الظروف المتغيرة في العالم،‮ ‬أصبحت تفرض علي الجميع ميزانا جديدا،‮ ‬للعمل في توزيع الموارد الطبيعية‮”. ‬وكنت أتمني علي هيكل أن يراجع تفاصيل اصول الصراع،‮ ‬والبحث في جذوره ويراقب مواقف مصر من التدخلات ليس بعد العام‮ ‬1952،‮ ‬بل قبل ذلك‮.‬
أيضا،‮ ‬أطالبه بمحاولة هادئة للإجابة عن التساؤل القائل‮: ‬هل الأزمة تنحصر في العام‮ ‬1955‮ ‬فقط؟ أم أن لها جذورها الممتدة إلي العهد الملكي؟ وما علاقة التحول الذي حدث في مصر بين عامي‮ ‬1952‮ ‬و‮ ‬1954‮ ‬من متغيرات ضمن تلك الصفقة التاريخية التي كانت تقودها الولايات المتحدة الأمريكية التي حلت في الفراغ‮ ‬الذي تركته بريطانيا؟ إن محمد حسنين هيكل لن يجيب أبدا عن مثل هذه الأسئلة كونه إن أجاب،‮ ‬فسيعلن عن‮ “‬حقائق‮” ‬تاريخية،‮ ‬لا يريد أن يعلم بها الناس‮! ‬إنه لا يريد أن يقول إن مصر كانت قد تعرّضت للتحديات قبل متغيرات العام‮ ‬1952‮! ‬إنه لا يريد أن يقول إن ثمة من وقف ضد المشروعات الأمريكية من الساسة المصريين الوطنيين القدماء‮! ‬إنه لا يعتمد الوثائق الأمريكية التي أفرج عنها منذ سنوات،‮ ‬ولو كان يعتمد عليها،‮ ‬لأفصح عن مواقف جوهرية لم يعلم بها أحد اليوم‮! ‬إنه لو اعتمد تلك الوثائق حقا،‮ ‬لتوضّحت للعالم حقائق لا يريد ان يعلمها أحد‮! ‬إنه إن أراد أن يدقق لما كان عام‮ ‬1955،‮ ‬لرجع قليلا إلي الوراء،‮ ‬كأي مؤرخ محترف كي يعالج جذور المشكلة لما قبل أحداث العام‮ ‬1955‮! ‬من دون أن يقتصر علي عظمتها،‮ ‬بل اعتبارها حصيلة صراع دولي قوي‮.



هاري ترومان

درس في الجذور التاريخية

1/ التسرب الأمريكي للشرق الأوسط
يرجع التسرب الأمريكي لمنطقة الشرق الأوسط الي ثلاث سنوات سبقت العام‮ ‬1947،‮ ‬بمشاركة بريطانيا في المسئوليات الدفاعية ضد التوسع السوفيتي الذي بدا نفوذه قويا إثر انتهاء الحرب مباشرة،‮ ‬خصوصا باتجاه المياه الدافئة‮. ‬إن المفاوضات البريطانية مع العرب والصهاينة قد توقفت،‮ ‬كي يحال الملف الفلسطيني إلي الأمم المتحدة‮. ‬هنا تبدأ أول أزمة في منطقة الشرق الأوسط،‮ ‬بدا واضحا حجم التدخل الامريكي فيها‮ ! ‬في مارس‮ ‬1947‮ ‬أعلن الرئيس هاري ترومان برنامجه الذي سمي بـ ‮( ‬مبدأ ترومان‮) ‬بهدف مزدوج،‮ ‬أولهما مواجهة التهديدات السوفيتية المباشرة لكل من تركيا واليونان بالمعونات العسكرية والاقتصادية،‮ ‬وثانيهما يدعو الي محاصرة التوسعات الشيوعية،‮ ‬في أي مكان من العالم‮! ‬إن دبلوماسية الحرب الباردة بدأت تتصاعد بقوة،‮ ‬فأصبح الوجود الغربي ممثلا بأمريكا وبريطانيا في قناة السويس خطاً‮ ‬أحمر لا يمكن التفريط به أبدا‮.. ‬ولكن ستكون قاعدة السويس تشكّل عبئا ثقيلا ليس علي البريطانيين،‮ ‬بل علي الأمريكان أيضا،‮ ‬وستفسد المصالح العربية ـ الغربية‮! ‬لقد لعب لوي هندرسون،‮ ‬مدير إدارة الشرق الأدني في الخارجية الأمريكية دوراً‮ ‬كبيراً‮ ‬عام‮ ‬1947،‮ ‬إذ اغتنم الفرص كي يستخدم المشكلات البريطانية لصالح الامريكان‮..
وكان يقلقه الوجود البريطاني في مصر ومشكلاته إلي جانب مشكلات الوجود الصهيوني في فلسطين‮.. ‬ولقد نجح في إقرار استقرار سياسي محلي كأمر ممكن،‮ ‬ولكن بقاء بريطانيا محتفظة بقاعدة عمليات إستراتيجية شرق المتوسط سيحول دون توطيد العلاقة العربية‮ – ‬الامريكية لعدة سنوات‮.. ‬وعليه،‮ ‬فإن الهدف كان يؤشر إلي انسحاب القوات البريطانية من مصر انسحابا‮ ‬غير مشروط،‮ ‬وفي موعد محدد‮! ‬هنا لجأت الولايات المتحدة لتطبيق استراتيجية تركز علي تكوين أحلاف عسكرية لتشكيل حزام آمن ضد التوسع السوفيتي أولا،‮ ‬ومن ثم إقرار مبدأ ترومان ثانيا‮.

2/ ‬ولادة حلف الأطلسي وحلف وارسو
يمكننا القول إن الطرفين قد بدآ التحرك نحو الأحلاف الدولية،‮ ‬إذ انشأت موسكو مكتب الاستعلامات الشيوعي‮: (‬الكومينفورم‮)‬،‮ ‬وهو المكتب الذي فرضه ستالين ليبسط سيطرته علي دول اوروبا الشرقية،‮ ‬وأيضا علي الأحزاب الشيوعية في أوروبا الغربية وبقية أنحاء العالم‮. ‬كان كل من مشروعي مارشال الامريكي والكومينفورم السوفيتي سببا أساسياً‮ ‬في تقسيم أوروبا،‮ ‬الي معسكرين متصارعين‮.. ‬ثم تبلورت أول خطوة لانقسام العالم بولادة أو تأسيس حلف شمال الاطلسي في‮ ‬4‮ ‬أبريل‮ ‬1949،‮ ‬متكونا من الولايات المتحدة الامريكية،‮ ‬وكندا،‮ ‬وبريطانيا،‮ ‬وفرنسا،‮ ‬وبلجيكا،‮ ‬وهولندا،‮ ‬ولوكسمبورج،‮ ‬والنرويج،‮ ‬والدنمارك،‮ ‬وأيسلندا،‮ ‬وايطاليا،‮ ‬والبرتغال‮ .
وأعقب توقيع حلف شمالي الاطلسي،‮ ‬التوقيع علي اتفاقيات ثنائية مع اليابان‮ ‬1950،‮ ‬والفلبين‮ ‬1951،‮ ‬وكوريا‮ ‬1953،‮ ‬والصين الوطنية‮ ‬1954،‮ ‬واستراليا ونيوزيلندا‮ ‬1951،‮ ‬واتفاقية دفاع مشترك مع كل من ايران وتركيا وباكستان‮ ‬1959‮ ‬وغيرها‮. ‬بعد هذا كله،‮ ‬وجد الاتحاد السوفيتي نفسه ملزما بإلغاء المعاهدات القديمة مع بريطانيا‮ ‬1942،‮ ‬ومع فرنسا‮ ‬1944،‮ ‬لينبثق بين‮ ‬11‮ ‬و‮ ‬14‮ ‬مايو‮ ‬1955‮ ‬في مؤتمر وارشو العاصمة البولونية،‮ ‬حلف ضم دول الكتلة الاشتراكية الشرقية،‮ ‬وهي‮: ‬الاتحاد السوفيتي،‮ ‬وبولونيا،‮ ‬وتشيكوسلوفاكيا،‮ ‬وألمانيا الشرقية،‮ ‬ورومانيا،‮ ‬وبلغاريا،‮ ‬وألبانيا،‮ ‬وهنغاريا‮ .. ‬وصدر من بعده اتفاق تعاون ومساعدات متبادلة مع توحيد القيادة العسكرية بين تلك الدول‮ ‬هكذا تشكّل حلف وارسو الذي يمثل الكتلة الشيوعية قبل تكوين حلف شمال الأطلسي الذي يمّثل الكتلة الغربية‮.

3/ مصر وبدايات الصراع‮ ‬
دخلت مصر في مفاوضات مع الإنجليز بداية عام‮ ‬1950‮ ‬علي يد حزب الوفد الحاكم،‮ ‬والذي أخذ موقفا صلبا،‮ ‬فهو يطلب الجلاء وهم يريدون الدفاع المشترك،‮ ‬فتعثرت المفاوضات‮.. ‬بدأت هناك عمليات مسلحة متفرقة مصرية عند القنال ضد قوات الاحتلال‮.. ‬وكانت الولايات المتحدة قد دخلت علي الخط للحد من الخطة البريطانية الكبيرة ضد مصر والتي سميت بـ»روديو‮ ‬RODEO‮« ‬هنا،‮ ‬سيبدأ ومنذ هذه اللحظة التاريخية فصل جديد من العلاقات،‮ ‬إذ أرسلت الحكومة الامريكية إلي مصر وكيل وزارة خارجيتها،‮ ‬روبرت ماكجي،‮ ‬في مهمة الي القاهرة،‮ ‬وبتفويض سياسي واسع،‮ ‬ولكنه لم يصل إلي أي نتيجة أو إلي أي شيء محدد‮. ‬لقد كان التدخل الامريكي سابقا ولاحقا قد أثار الشكوي لدي البريطانيين الذين شعروا أن ثمة لعبة مزدوجة يمارسها الأمريكان في مصر‮.. ‬وبإغراء من المصريين‮! ‬لقد كتب هربرت موريسون،‮ ‬وزير الخارجية البريطاني،‮ ‬خطابا شديد اللهجة،‮ ‬الي نظيره الامريكي،‮ ‬دين أتشيسون،‮ ‬يتهم فيه الولايات المتحدة الامريكية بكل صراحة‮.. ‬إنها تتخذ لها سياسات في مصر،‮ ‬تساعد علي تأزيم الموقف دون أن تكون مساعده في حله‮.. ‬وإنها تكرر المنطق نفسه الذي اتبعته في إيران‮! ‬إن الرسالة طويلة،‮ ‬وفيها إشارات خطيرة حول خلاف الحليفين علي مصر حتى يقول له بالنص‮: “‬إن مصر،‮ ‬ليست،‮ ‬ولن تكون أبداً‮ ‬قادرة علي الدفاع عن نفسها،‮ ‬ضد عدوان من قبل دولة كبري،‮ ‬وقد رأينا ذلك في الحرب الأخيرة،‮ ‬ولاشك أننا سنراه،‮ ‬مرة أخري،‮ ‬إذا نشبت حرب جديدة‮. ‬ولكن مصر،‮ ‬ليست مهمة لذاتها فقط،‮ ‬وإنما لكونها،‮ ‬كذلك،‮ ‬العنصر الرئيسي في الدفاع عن الشرق الأوسط كله،‮ ‬ولا أود أن أذكرك،‮ ‬مرة أخري،‮ ‬بأهمية الشرق الأوسط في الدفاع عن العالم الحر‮ ” (‬انتهي نص الرسالة‮). ‬ ما نتائج ذلك؟‮
‬ لقد توضح اليوم وبعد مرور أكثر من نصف قرن علي تلك الأحداث المصيرية،‮ ‬حجم التسلل الأمريكي عند مطلع الخمسينيات،‮ ‬وأن الولايات المتحدة مقبلة علي ممارسة دور إمبراطوري جديد،‮ ‬وهي مصممة لملء الفراغ‮ ‬الذي ستتركه بريطانيا،‮ ‬وأنها الوريثة الوحيدة لممتلكات الإمبراطورية العجوز في المنطقة،‮ ‬وأهم عنصرين أساسيين‮: ‬المصالح النفطية من خلال الامتيازات أولا،‮ ‬والسيطرة علي القواعد والأجواء والبحار ثانيا‮. ‬كان السوفييت قد انشغلوا بعد الحرب لإعادة بناء ليس بلادهم التي تأثرت بالحرب،‮ ‬بل لمنظومتهم في أوروبا الشرقية،‮ ‬فاكتفوا بدور المراقب‮.‬



ترومان والسير ونستون تشرتشل

مصر تقرع ناقوس الخطر‮ ‬
في يوم‮ ‬8‮ ‬أكتوبر‮ ‬1951،‮ ‬أعلن النحاس باشا رئيس وزراء مصر إلغاء معاهدة‮ ‬1936‮ ‬مع اتفاقيتي‮ ‬1899‮ ‬بشأن إدارة السودان،‮ ‬وذلك أمام مجلسي النواب والشيوخ بالبرلمان المصري،‮ ‬وقدم له مراسيم بمشروعات قوانين تتضمن ذلك الإلغاء‮. ‬فماذا كان موقف بريطانيا حيال ذلك؟ أعلنت تمسكها بالمعاهدة،‮ ‬وهدد موريسون وزير خارجيتها بأن بريطانيا ستقابل القوة بالقوة،‮ ‬إذا اقتضي الأمر من أجل ابقاء قواتها في منطقة قناة السويس،‮ ‬وأن بريطانيا لم تذعن لما تريده مصر‮! ‬وكان ذلك منطق حكومة العمال أو منطق زعيم المحافظين السير ونستون تشرشل الذي وصف الإجراءات المصرية بالضربة الأشد خطراً‮ ‬والأكثر مهانة للكرامة‮!‬ فماذا حدث؟‮
‬ اتفقت حكومات الدول الأربع‮: ‬بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا وتركيا،‮ ‬إثر إلغاء مصر معاهدة‮ ‬1936،‮ ‬والتقدّم مجتمعة،‮ ‬بمقترحات إلي الحكومة المصرية،‮ ‬وهي تمثّل بديلا عن هذه المعاهدة‮. ‬وتتضمن المقترحات‮: ‬قبول مصر الدفاع المشترك مع الدول الأربع،‮ ‬وأن قوات دولية تناط بها حماية القنال حتى في وقت السلم،‮ ‬وأن يستمر حكم بريطانيا للسودان،‮ ‬مع إنشاء رقابة دولية،‮ ‬لا تحد من سيطرة الإنجليز عليه،‮ ‬وجعل علاقة البلدين مصر والسودان مجرد علاقة مائية‮. ‬معني ذلك استبدال معاهدة بأخرى‮.. ‬وقد قدمت هذه المقترحات إلي الحكومة المصرية يوم‮ ‬13‮ ‬أكتوبر‮ ‬1951‮ ‬من قبل سفراء الدول الأربع ومقابلتهم علي انفراد مع وزير الخارجية المصري الدكتور محمد صلاح الدين الذي أصّر علي مقابلتهم وإياه منفردين،‮ ‬فانفرد السفير البريطاني بعرض المقترحات مكتوبة،‮ ‬ومن ثم أيدها السفراء الآخرون‮.

مصر الملكية ترفض المشروع الأمريكي
‬ اجتمع مجلس الوزراء المصري يوم‮ ‬14‮ ‬أكتوبر‮ ‬1951‮ ‬في بولكلي،‮ ‬للنظر في المقترحات،‮ ‬ودعوة مصر المشاركة في منظمة الدفاع عن الشرق الأوسط،‮ ‬وقرر رفض المقترحات من أساسها،‮ ‬وقال إنها‮ ‬غير صالحة،‮ ‬وقرر رفضها،‮ ‬وأنه يستمر في إلغاء معاهدة‮ ‬1936،‮ ‬وأعلن فؤاد سراج الدين وزير الداخلية والمالية المصري،‮ ‬وقتئذ،‮ ‬ذلك القرار في مجلس النواب إبان اجتماعه في‮ ‬15‮ ‬اكتوبر‮ ‬1951‮ .‬
أقر البرلمان المصري تشريعات إلغاء معاهدة‮ ‬1936،‮ ‬ووافق عليها،‮ ‬ونشرت بالجريدة الرسمية‮.. ‬وحددت الحكومة الموقف من بريطانيا ومصر والسودان،‮ ‬ولم تعد مصر ملزمة بالصداقة والتحالف مع بريطانيا،‮ ‬وأن وجود أي قوات بريطانية علي أي شبر من التراب المصري يعد عملا ضد إرادة الشعب والبرلمان والحكومة،‮ ‬فهو إذن احتلال بالقوة والإكراه كونه‮ ‬غير مشروع،‮ ‬فضلا عن إنهاء وجود الإدارة المؤقتة في السودان‮.‬

نشرت على جريدة روز اليوسف المصرية ،العدد 1443 – الأربعاء – 24 مارس 2010
، ويعاد نشرها على موقع الدكتور سيار الجميل
www.sayyaraljamil.com
وأيضا على صفحة تجمع الدكتور سيار الجميل
http://www.facebook.com/group.php?sid=ef680591def239dac31065b4f16482c3&gid=48810538237
ملاحظة : لا يسمح بإعادة النشر تحريريا أو الكترونيا ، إلا بترخيص خطي من المؤلف والناشر .


الحلقة 38
عندما كانت مصر في مخاض الصراع

الانتقال من الملكية إلي الجمهورية : مشروع ميكوم
وهنا نتساءل عن دور الولايات المتحدة الأمريكية التي تنامت مصالحها البترولية في الشرق الأوسط، وأصبحت قناة السويس بالنسبة لها معبرا حيويا، يخولها فعل ما تشاء من أجله، فليس لها الا الاضطلاع بدور اخطر فيما أسمته بالدفاع عن مصر والشرق الأوسط مع تزايد نفوذ السوفييت في المتوسط .. وكانت كل من تركيا واليونان قد دخلتا عضوين في حلف شمال الاطلسي ! كانت بريطانيا والولايات المتحدة قد وافقتا في 8 سبتمبر 1951 ، علي انشاء قيادة شرق اوسطية دعيت بـ MECOM وإنشاء مراكز قيادة في القاهرة والسويس من اجل الدفاع الاقليمي، ولا يمكن لهذا المشروع أن ينجح من دون مصر كأهم دولة عربية . وأن مصر قد رفضت الاقتراحات التي قدمتها الدول الأربع ـ كما رأينا ـ . لقد فشل مشروع ميكوم لموقف مصر القوي بوجه اولئك الكبار .. وفي 25 اكتوبر 1951 قال سفير مصر لدي واشنطن وهو كامل عبد الرحيم إن مصر لم تستشر قبل تقديم الاقتراحات اليها، وانها لم تدع لأي محادثات تمت خلالها الخطط المقترحة .. هكذا، فإن مصر اظهرت روحا وطنية رائعة بموقفها الرافض للاحتلال الذي عارضه المصريون قاطبة.

الاستراتيجية الأمريكية لسد الفراغات
بادر السير ونستون تشرشل في 17 يناير 1952 باقتراحه عقد جلسة مع الكونجرس الأمريكي، وطلب قوات الإشارة الي التمركز عند قناة السويس من اجل أن يحفّز الدولتين لإيجاد حل في الدفاع عن الشرق الأوسط، لكن واشنطن تلقت الاقتراح بفتور وأهملته . إنني اعتقد أن الولايات المتحدة كانت تعد العدة لاتباع استراتيجية من نوع آخر في مصر، ولحسابها وحدها هذه المرة، وهذا ما ستترجمه الايام القادمة، ولكنها اتخذت لنفسها دور الوسيط في المحادثات بين الانجليز والمصريين، وعمل السفير الأمريكي جيفرسون كافري علي ما اسموه بإعادة النظام، كما عمل علي طمأنة الملك فاروق الاول بأن القوي الغربية لا تعد تحاول السيطرة علي مصر، ولكن يقال إن فاروق بقي منعدم الثقة بذلك السفير، وكان يخشي من تنفيذ أي حركة للتغيير . وقام وزير الخارجية الأمريكي اتشيسون بحث نظيره البريطاني انتوني ايدن بإجراء نوع من المصالحة في مجلس العموم، فكان أن استجاب له ايدن، وكانت محاولات الأمريكيين عقيمة في الظاهر، ولكنها كانت تتبع في الخفاء سياسة من نوع آخر..

تغيير النظام في خضم الصراع
ومع حلول مارس 1952 ، كانت سياسة الأمريكان في الشرق الأوسط متدنية كما كان يظهر من الموقف العام، ولكن بين مارس ـ يوليو 1952 ، ثمة أوراق مخفية لم تبرز حتي الآن، ولكن ثمة اوراق أخري تشير الي أن اتفاقا سريا قد حصل بين الولايات المتحدة وبريطانيا لملء الفراغ والبدء بتحولات أمريكية واضحة، فما أن مرت الاحداث الداخلية بتصفية النظام الملكي بمصر وتهميش الاحزاب والوفد علي رأسها، حتي كان القادة العسكريون الغربيون قد نبذوا في اغسطس 1952 مشروع ميكوم الذي تفاوضوا من أجله مع القادة المصريين القدماء، ولم يلق آذانا صاغية منهم .. لقد انتفت الحاجة الآن إليه، فتقرر انشاء منظمة دفاعية شرق اوسطية، تضم كلا من بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة الأمريكية وتركيا واستراليا ونيوزيلندا واتحاد جنوب افريقيا، وقوامها هيئة مستشارين عسكريين لوضع الخطط الخاصة بالدفاعات الاقليمية وكانت بريطانيا تدير وضع الخطط، اذ كانت الولايات المتحدة حتي ذلك الوقت لا تستطيع البقاء من دون خبرات وتجارب البريطانيين في الشرق الأوسط خصوصا.. اما الجنرال محمد نجيب الذي وقف علي رأس التغيير بمصر ( مع رهط الضباط الأحرار كان منظمهم ومهندس فكرة التغيير البكباشي جمال عبد الناصر )، فقد أعرب للولايات المتحدة الأمريكية، أنه مستعد لمناقشة أي افكار للدفاع عن الشرق الأوسط، بعد الانسحاب البريطاني من مصر .



عبد الناصر وأيزنهاور

أهمية القنال تزداد مع زيادة تدفق البترول
لقد كان الرئيس ترومان مرتاحا عند نهاية العام 1952، وهو يغادر ادارته في البيت الابيض، ولكن ثمة اخفاقات صادفت الولايات المتحدة خصوصا في تحسين العلاقات الانجلو ـ مصرية، وكما خابت مساعيها مع أقطاب النظام الملكي، يبدو أن مساعيها ليس كما يجب مع الضباط الاحرار .. وتدهورت سمعتها في بلدان عربية وارتفعت في بلدان اخري . لقد جرت زيارات مكوكية من قبل القادة البريطانيين لأمريكا حول إبقاء القنال تحت سيطرتهم، وقد اصر الأمريكان اعتبار القنال ممراً لكل المصالح الغربية، وأن تعقد معاهدة لإلزام مصر بالانضمام الي مشروع الدفاع .. وبقي الرئيس ايزنهاور متبعا لسياسة ترومان واتشيسون، ولكنه كان يريد أن يبقي يغرّد وحده خارج السرب القديم، فالمصالح الأمريكية عنده لابد أن تتقدّم المصالح الغربية كلها.

موقف هيئة الضباط الأحرار
بعد الحركة الانقلابية التي نفذها الضباط الاحرار يوم 23 يوليو 1952، سلّم السفير المصري لدي واشنطن، مذكرة الي الحكومة الأمريكية، جاء فيها :
1/عدم قبول مصر لفكرة منظمة الدفاع عن الشرق الأوسط المقترحة من قبل الدول الغربية، إذ ليس من الصواب استبدال قوات بريطانية بقوات دول غربية .
2/ إن الدفاع عن الشرق الأوسط ينبغي أن يرتكز علي ميثاق الضمان الجماعي بين دول الجامعة العربية .
3/ إن مصر ستكون مستعدة لمناقشة أي افكار، للدفاع عن الشرق الأوسط بعد اتمام الانسحاب .
4/ لا يمكن لمصر أن تكون شيوعية، وهي ستقاوم أي عدوان علي أراضيها وتدافع عن مصالحها الخاصة.
5/ ربما ستتطور العلاقات مع بريطانيا نحو الأسوأ وستقدر مصر أي مساعدات تقدمها الولايات المتحدة الأمريكية لاقناع بريطانيا بعدم الاصرار علي البقاء في السويس .
6/ إن حكومة الثورة في مصر ، تتطلع باهتمام كبير الي حوار جدي مع الطرف الأمريكي حول أي مساعدات اقتصادية وعسكرية وتسليح جيشها من أجل قوة مصر التي تعتبر مفتاح الشرق الأوسط .



عبد الناصر وجون فوستر دالاس

زيارة جون فوستر دالاس للشرق الأوسط: مباحثات مصر
علينا أن ندرك أن فوبيا أمريكية كانت تنتشر مثل النار في الهشيم، أن السوفييت، سيكتسحون الشرق الأوسط وصولا الي المياه الدافئة، والعالم كله يعلم أن المنطقة تعد واحدة من اكبر مصادر الطاقة فيه، وان السباق لضمها أو السيطرة علي مجالها الحيوي، يعد هدفا استراتيجيا من أهدافه العليا.. ولقد تنقل وزير الخارجية الأمريكي الشهير جون فوستر دالاس في أرجاء الشرق الأوسط للفترة بين 9 – 29مايو من العام 1953 ، وكانت القاهرة محطته الاولي التي كانت تصريحاته فيها توحي بأن الولايات المتحدة ستسد الفراغات التي ستحصل اثر جلاء البريطانيين المتفقين مع الأمريكان علي مبادئ، وان الولايات المتحدة مهتمة بهذا الجزء من العالم وستدافع عن الشرق الوسط وتهتم برفاهيته مع ضمان سيادة مصر الكاملة، وان جلاء القوات البريطانية مرتهن بأن تبقي القناة صالحة للعمل السريع، للدفاع عن العالم الحر، في حالة نشوب حرب . هذا ما قاله دالاس في القاهرة نفسها التي كان نظامها السياسي قد تغير، وقد تعامل الرجل الآن مع وزير خارجية مصري هو الدكتور محمود فوزي ممثلا لقادة شباب أحرار لم يجد قراراتهم الا فيما بينهم .. علما بأن الوزير فوزي قد عرف بخصب علاقته بالدوائر الأمريكية، وبعد أن كانوا مع الانجليز يتعاملون مع ساسة مصريين مخضرمين قدماء كانت قراراتهم تمر عبر مجلس نواب وقصر ملكي، وبقنوات دبلوماسية صعبة!

موقف الرئيس محمد نجيب
يبدو من دراسة محاضر اجتماعات دالاس ـ فوزي بالقاهرة في 11 مايو، قد تمّ طرح مشروع السد العالي علي من وصفهم الوزير فوزي بأصدقاء مصر، ويقصد الولايات المتحدة التي ستوفر المال والخبرة الفنية، وانه يريد وضع دالاس في الصورة، وأثار فوزي موضوع القناة كقضية محورية، وان مصر تحاول حل قضايا الخلاف، بين القاهرة ولندن ” بالطريقة الأمريكية العملية الناشطة ” ـ على حد قوله: كما أشار فوزي إلى منظمة الدفاع عن الشرق الأوسط، وهي ـ كما قال: “بالتأكيد مسألة غير محددة المعالم “، وان هناك كما استطرد قائلا: ” اختلافا عميقا، بين الاوراق الموقّعة وبين طبيعة الاشياء ” .
كما أن دالاس اجتمع مع اللواء محمد نجيب رئيس الجمهورية المصرية في اليوم نفسه قائلا: إن مصر باستطاعتها إدارة القنال فنيا، وإنها لا تشترك في أي حلف من الأحلاف مع الغرب، لكنها ستتعاون معه عند جلاء القوات البريطانية ! ولقد أشاد دالاس بحركة الضباط الأحرار، وما تحقق من إصلاح داخلي، وبّين خطر الشيوعية علي الشرق الأوسط، وان الولايات المتحدة ستشّكل حزاما للدفاع عنه، وينبغي إقامة حلف من الدول العربية تتزعمه القاهرة بالاشتراك مع بريطانيا، ولكن الرئيس محمد نجيب اعلمه بأن مصر تلزمها السيادة الكاملة علي كل أراضيها، ولابد من جلاء القوات البريطانية مع إدراك مصر للخطر الشيوعي، ولكن لابد من حل الخلافات المصرية ـ البريطانية، وان ذلك من شأنه أن يحقق ” ما تريدونه، وما نريده ” من الدول العربية . وأبدي جمال عبد الناصر، نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الداخلية، تسليمه بضرورة الدفاع عن الشرق الأوسط، وقناعاته بأن أهل المنطقة، هم الذين باستطاعتهم الدفاع عنها، ويحق لهم بعد أن يحددوا ضرورات أمنهم، أن يستعينوا علي ذلك بما يشاءون.

توصيات جون فوستر دالاس
لقد عاد دالاس بعد جولته في الشرق الأوسط التي علمته الكثير، وحمل انطباعات محددة عن طبيعة الحكومات وما يتفق او لا يتفق إزاء رغبات الشعوب .. وأيقن بأن تركيا وايران والعراق والباكستان بامكانه الانضمام الي منظمة دفاعية اقليمية، وضبط الاقليم ازاء التوغل السوفيتي، وكانت الدعاية الشيوعية عبر الراديو واجهزة الاعلام قد وصلت اعلي مداها .. لقد اكتشف دالاس أن البلدان الاربعة التي ذكرناها هي المهددة اصلا بالشيوعية، وانها فعلا بحاجة الي نظام اقليمي كونها تقع علي الحافة الشمالية للشرق الأوسط .. ووجد أن التهديدات السوفيتية لكل من العراق والباكستان وإلي درجة اقل سوريا .. اكثر بكثير مما كانت عليه الحال في مصر والبلدن الأخري في جنوب الشرق الأوسط.

وثيقة مجلس الأمن القومي الأمريكي
من يقرأ وثيقة مجلس الامن القومي التي تضمنت توصيات دالاس، والتي ألقاها الرئيس ايزنهاور في 11 يوليو 1953 ، سيجدها تتلخص بالبنود التالية:
1/ ثمة صراعات إقليمية في الشرق الأوسط تمثل انعكاسا واضحا للصراع الأمريكي ـ السوفيتي، وتمثل درجة أو اخرى من تداعيات الحرب الباردة بين المعسكرين.
2/ ينبغي أن يكون الشرق الأوسط وجنوبي آسيا مجالا حيويا للمصالح الأمريكية والخاصة بالحرب الباردة
3/ مجاراة الدول ومحاباتها، تلك التي تأخذ بالتطور المنظّم والحركات القومية، التي تضمن السيطرة الاجتماعية والحركات الاصلاحية المعتدلة، وأن يتم الاهتمام بحماية المصالح الأمنية والاقتصادية الأمريكية.

مقترحات جون فوستر دالاس
هنا يقترح دالاس أن يستبعد كلاً من النفوذين البريطاني والفرنسي وجيوشهما من الشرق الأوسط، ومواكبة السياسة الأمريكية لدور اكبر مما هو عليه، واكّد أن وجود قوات بريطانية في الشرق الأوسط هو ” عامل اضطراب، أكثر منه عامل استقرار “، وان التركة الاستعمارية الممثلة في إسرائيل قد ألحقت بنا عبئا ثقيلا علقّ في أعناقنا، وان المنطقة كلها تجتاحها روح ثورية متعصبة هائجة، تجعلها تقلل من الخطر السوفيتي علي حساب تضخم مشكلاتها المحلية، واقترح دالاس بمبادرة من واشنطن ترمي سياسيا الي تهدئة مخاوف عربية إزاء الأهداف الإسرائيلية،، وإيجاد حلول لمشكلات مصر وإيران والسعودية ولما تعانيه العلاقات الهندية الباكستانية.. مع إعانة دول معينة في المنطقة من مخصصات التنمية الاقتصادية، وتشجيع استخدام أموال النفط لأغراض التنمية الاقتصادية واستخدام أموال المساعدات الأمريكية في تطوير مشروعات المياه، وإعادة توطين اللاجئين مع مساعدات في تقديم معدات عسكرية لبعض الدول من اجل تقوية دفاعاتها وضبط الأمن الداخلي فيها .. مع الإقرار بأن الدول العربية، لن تنضم، علنا في ذلك الوقت الي اي ترتيبات دفاعية وعدم الانبهار بمفاهيم لا أساس لها في الواقع، وعليه، فانا لسنا في وضع يطالب بأي عائدات محددة لاستثماراتنا في تلك المرحلة .. إذ ليس لنا إلا فرصة وحيدة متاحة بالمضي قدما وإظهار الثقة والصداقة والأمل من اجل تحقيق النتائج المرجوة .

وأخيرا : ما الذي يمكنني قوله؟
كنت أتمنى علي هيكل أن يكون حياديا وهو يتحدث عن الخمسينيات، كي يبدأ بتحليل الظاهرة منذ بداياتها حتى يصل إلى العام 1955، لا أن يبدأ الموضوع من حيث قام التغيير ضد الملكية علي أيدي الضباط الأحرار، وكنت أتمني عليه أن يربط ذلك ” التغيير ” بما كان هناك من صراع محتدم بين البريطانيين والامريكان علي كسب المصالح عبر قناة السويس التي كانت أهميتها تزداد يوما بعد آخر إثر ازدياد حجم تدفق البترول . كنت أتمنى عليه، أن يكشف كل أوراق ذلك التغيير الذي اسمي في تلك اللحظة التاريخية بـ ” الانقلاب ” حتى يأخذ له تسمية ” الثورة ” فيما بعد . كنت اتمنى علي هيكل أن ينصف تاريخ حزب الوفد ودور النحاس باشا في الوقوف بحزم وإصرار ضد المشروعات الأمريكية، ولم يساوم أبدا.. كما تمنيت على هيكل أن ينصف أيضا الرئيس محمد نجيب الذي أصر علي إثبات حقوق مصر الوطنية في قناة السويس في مقابلته لجون فوستر دالاس بالقاهرة، بالرغم من أن النظام الجمهوري بدأ يعد بالتعاون إذا تحقق الجلاء، بل بدأ وزير الخارجية محمود فوزي بمغازلة الأمريكان من أجل تأسيس السد العالي وطلب المساعدة منهم .. كنت أتمنى على هيكل أن يكون عادلا في توزيع الأحداث والأهمية وأحداث التاريخ، بل أطالبه من جديد بأن يكون منصفا لكل الذين حكموا مصر في التاريخ الحديث، وقراءة كل ما جري في مصر وغير مصر بروح نقدية .. وتمنيت أن يميز بين جغرافيات الشرق الأوسط، فإن المخاطر التي يمكن أن يتعرض لها العراق أو تركيا أو إيران من الاتحاد السوفيتي كبيرة جدا، ولا يمكن هنا اقتران جغرافية مصر بجغرافيات بلدان أخرى كالعراق مثلا .. وفي الحلقات المقبلة سنقوم بتفصيل دور كل من القاهرة وبغداد وتفاقم الصراع بينهما ضمن صراع دولي كان يسمى بـ الحرب الباردة .

نشرت على جريدة روز اليوسف المصرية ، العدد 1447 – الاثنين – 29 مارس 2010
، ويعاد نشرها على موقع الدكتور سيار الجميل
www.sayyaraljamil.com
وأيضا على صفحة تجمع الدكتور سيار الجميل
http://www.facebook.com/group.php?sid=ef680591def239dac31065b4f16482c3&gid=48810538237
ملاحظة : لا يسمح بإعادة النشر تحريريا أو الكترونيا ، إلا بترخيص خطي من المؤلف والناشر .

شاهد أيضاً

عالميون من مدينة الموصل

عالميون  من مدينة الموصل  .. كما  ورد  موقعنا  ، وهو  يحمل  ستة اسماء  ، هي …