الرئيسية / مقالات / غسّان تويني.. عميد الصحافة اللبنانية وصرح الإعلام العربي

غسّان تويني.. عميد الصحافة اللبنانية وصرح الإعلام العربي


كلمة الأستاذ الدكتور سيّار الجَميل في احتفائية إيلاف بالأستاذ الكبير غسّان تويني لمناسبة ذكرى ميلاده الخامسة والثمانين

اكتب عن غسان تويني اعتزازا مني به ، وأنا احد كّتاب النهار منذ سنوات طوال .. انه علامة بارزة في معاصرتنا ، وعبقرية متميزة في ثقافتنا . وكان ولم يزل ، ابرز كاتب مقال عربي منذ 50 سنة.. مثير للجدل والتفكير ، كونه ظاهرة لها مصداقيتها الإعلامية ، عكس غيره من مجايليه العرب .. لقد تميز بخصال مهمة ، مؤسسا لتقاليد عريقة في الصحافة العربية ، ولا يمكن أن يقرن اسمه بغيره من عمداء الصحافة ، فلقد بز عليهم جميعا في مهنته وثقافته العليا .. فضلا عن رجولة كلمة وموقف في آن واحد، وبقي على خطّه الفكري الليبرالي ، ثابتا ، لم يتزعزع أبدا.. ونجح في ريادته الصحفية .. إنه واحد من عباقرة لبنان الذين اشتهروا ليس بمهنة الصحافة حسب، بل أعده واحدا من أقوى أركان ثقافة العرب في القرن العشرين.
ولد ببيروت 1926 ، وتأهل بجامعتها الأمريكية 1945 ، ونال الماجستير بجامعة هارفرد 1947 .. ثم عاد ودّرس بالجامعة الأمريكية 1947 – 1948 . مكتشفا أن ذاته لا تتحقق إلا بتحرير صحيفة النهار التي كان أصدرها والده المؤسس. ومنذ ستين عاما، وهو عميد للنهار.. وكان قد أشعل معارك سياسية، وأثار مشكلات فكرية، وفجّر زوابع اجتماعية، فضلا عن تأسيسه دار النهار الشهيرة بالطباعة والنشر والتي أثرت حياتنا بالمئات من الأعمال الرائدة .. انتخب غسان نائبا مرات عدة ، ونائبا لرئيس مجلس النواب . ونصّب سفيرا للبنان بأمريكا 1967 ، واختير وزيرا لأكثر من حقيبة عدة مرات ونائبا لمجلس الوزراء . واختير رئيسا لجامعة البلمند 1990- 1993 ، وغدا عضوا لمجلس أمناء الجامعة الأمريكية 1998 – 2002 . وترأس لجنة متحف سرسق 1998 . ثم تفرغ لجريدته ومؤسسته التي كان يعاونه في إدارتها ولده جبران قبل استشهاده المؤلم .
لقد أثرى غسان حياتنا العربية بكتبه، مرسّخا فكره السياسي على امتداد نصف قرن من الزمن الصعب. واستمر يكتب مقالته السياسية في نهاره، ونجح في تطوير أساليب العمل الصحفي، فأثّر في تطور الصحافة العربية ، بإدخاله عدة مزايا وأفكار ، منها فكرة الملحق الثقافي .. كما اضطلعت ” النهار” بمعالجة قضايا محلية صرفة وقضايا عربية وإقليمية مستعصية ، ناهيكم عن قضايا دولية عاشها العالم منذ بعيد الحرب الثانية مرورا بالحرب الباردة ، وانهيار الكتلة الاشتراكية ، والحروب الخليجية وصولا لأحداث 11 سبتمبر 2001 وتداعياتها الخطيرة .
أنه مفكر ليبرالي معاصر ، لا يمكنه أن يتيه بنا أبدا بتفاصيل صحفية مفذلكة ، أو ثرثرة تلفزيونية هزيلة ، ليكون خارج الزمن وحركته ، فهو دوما في قلبه ، يدور مع عجلته ، وأن من يسمعه يتكلم ويقدم رؤيته للأشياء والأحداث مشخصا ما سيحدث في المستقبل ، يكتشف فيه انه يسبق الزمن ، بتجاربه الغنية ، وحركته الدائبة ، فتجعلانه دوما صاحب رؤية معمقّة للشرق الأوسط ، وللرجل أمانته الموضوعية في معالجة الأمور ، ويتمتع بخصال إنسانية قبل كل شيء ، مكتسبا ثقافته الرصينة منذ صغره ، وبلغتين عالميتين الانكليزية والفرنسية ، فيبدو وقد تزود عميقا من بحر واسع الأبعاد .. وله شجاعته الأدبية والسياسية ، في أن يقول ما يؤمن به ، ولا يتوانى أبدا عن قول الحقيقة كما هي ولا يخشى في الحق لومة لائم ..
لعل من ابرز ما يعجبني في تقييم الرجل ظاهرته الفكرية لا الصوتية ، فهو محلل بارع للأحداث ، والشخصيات بلا أي ثرثرة ، أو استعراض عضلات .. فضلا عن قوة مجابهته للخصوم الذين تلونت فيهم الأفكار والسياسات والأيديولوجيات، بدءا بالانتداب ، ثم الاستقلال ومرورا بالقومية العربية ، ثم التصادم مع الفلسطينيين واندلاع الحرب الأهلية ، ثم الدور السوري ، وانتهاء لما بعد مؤتمر الطائف . لقد مرّ ومؤسسته بكل المراحل الخطيرة ، وخرج منتصرا منها كونه قد حافظ ليس على حياته حسب ، بل على كيانه الذي بناه منذ عشرات السنين .
التقيت به في مناسبتين ، اولاهما ، عندما كنا مجتمعين في قاعة فندق فينيسيا بيروت المخملية ، رفقة مثقفين ومفكرين وأساتذة ، فألقى كلمة مؤثرة ، وحلّل جملة الأوضاع الدولية والإقليمية .. فلمست فيه عمقا ثقافيا هائلا ، وصوتا له القدرة على أن يضع النقاط فوق الحروف .. اكتشفت فيه وأنا المؤرخ المتواضع ، مؤرخا ماهرا باستطاعته استدعاء البراهين والأمثلة التاريخية التي يمكنه توظيفها بمهارة وفن ، كي يكسب جولته بأفكار جريئة ليس لغيره القدرة أن يقتحمها أبدا ! وكان مغامرا في الخروج بنتائج تبين لي في ما بعد انه صائب في تقديراته للأحداث وسيرورتها وتداعياتها .. فضلا عن أسراره في معرفة العالم والقوى الدولية .. انه ذكي في قراءة المتغيرات المتبلورة عند مطلع التسعينيات .. وأثبتت الأيام مصداقية نتائجه . إن رؤيته الثاقبة للأمور تنسجم مع ما يؤمن به من أفكار ومعتقدات سياسية ! لبناني قح، ولكنه لم يجعل من العروبة قميص عثمان يحمله أينما كان .. يحترم خصوصياته ، ويدلي بقوة لدى الآخرين .. إذ وجدته ينبه من مخاطر محلية وإقليمية ودولية. اكتشفت أيضا نزعته النقدية في تحجيم الخصوم وتهميش ما يقولون وجعل رأيه هو محور التعامل الأساسي . وعليه، فان خصومه معروفون دوما وليس باستطاعتهم منازلته إذ يدركون جيدا مدى قوته إزاءهم .
لقد خرجت قبل خمس سنوات بعد قراءة متأنية لبعض كتبه الأخيرة بأفكار مدهشة ، وأنا احضر زائرا في مبنى نايسلي هول في محاضرة منتدى الدراسات الحضارية في الجامعة الأمريكية ببيروت ، وقد قدمته د. منى تقي الدين اميوني .. فارتجل كلمته ، وخاض في ظاهرة الإرهاب ، وحللها سياسيا بروعة بالغة ، متسائلا : هل الدين هو المسألة ، أم الاقتصاد ؟ ولم يكتف بتحليل الحاضر تمهيداً لاستكشاف المستقبل ، وعاد إلى التاريخ قائلا إن جذور الصراعات الحالية تعود إلى زمن السيطرات الغربية في القرنين 18 و 19 ، وأكثرها تأثيرا احتلال بونابرت لمصر. لقد استدعى تويني التواريخ أفضل بكثير من مؤرخين عرب يسمّون أنفسهم بأكاديميين ، وبثقافة واسعة ، أهلته لنفي صفة ” الحرب الأهلية ” في لبنان ، لأن تمويل الحرب وميليشياتها وأسلحتها والتدخلات فيها ، لم تكن لبنانية صرفة ! غسان له أفكاره عن العولمة والشرق أوسطية والمتوسطية وعن دور كل من تركيا وإيران وإسرائيل مع معرفة معمقة بالشأن الأميركي وروما الجديدة .. انه الأعرف بتفكك العرب وتساؤلات المستقبل عن كيفية إعادة تركيب أنفسهم ، وله رؤيته في سبل نهضتهم بعيدا عن الاستبداد والزيف واقترابا للحرية والعصرنة . والحاجة إلى مشروع عربي لمجتمع أكثر استقرارا في المستقبل. (انظر التفاصيل في فصلة غسان تويني التي كتبها د. سيار الجميل في كتابه : نسوة ورجال : ذكريات شاهد الرؤية ).

نشرت في ايلاف ، 5 كانون الثاني / يناير 2009
ويعاد نشرها على موقع الدكتور سيار الجميل
www.sayyaraljamil.com

شاهد أيضاً

زعامات ورزايا .. ورئاسات بلا مزايا

 الزعامة غير الرئاسة، والرئاسة غير الإدارة، والإدارة غير القضاء. لقد مضى زمن الزعامات الحقيقية، وماتت …